الكتاب والسنة

كل شيء يكون وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم


    حرمة المال العام في الإسلام 2

    شاطر
    avatar
    t1966a
    Admin

    المساهمات : 696
    تاريخ التسجيل : 01/12/2012
    العمر : 52
    الموقع : https://www.facebook.com/groups/183512361669940/

    حرمة المال العام في الإسلام 2

    مُساهمة  t1966a في الأربعاء مايو 03, 2017 1:48 am

    المبحث الثالث: صور الاعتِداء على المال العام:
    فلقد فَشَتْ في دنيا الناس صُوَرٌ كثيرة في تَعَدِّيهم على المال العام، والقليل منهم الذي يَنتبه لهذه الصور، منها:
    - التهرُّب من السداد للبنك - نوَّاب القروض - بحجَّة أنَّ له حقًّا في بيت المال.

    - سرقة الكهرباء من الدولة بحجَّة أنَّها لا تُعطي المواطن حقَّه كاملاً.

    - توقيف ساعة (عدَّاد) الكهرباء أو الماء في الدولة المسلمة؛ لأنَّ بعضَ الناس يَظنون أنَّ له الحقَّ في التهرُّب من ذلك لو كانت الدولة كافرة؛ بحجة إضعاف تلك الدولة، والله - عزَّ وجلَّ - يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ [النساء: 58].

    والنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((أدِّ الأمانةَ إلى من ائْتَمَنكَ، ولا تَخُنْ مَن خَانك))[39].

    - استعمال الكمبيوتر أثناء العمل لأغراض شخصيَّة غير خاصَّة بالعمل.

    - عدم إتقان العمل، وإضاعة الوقت، والتربُّح من الوظيفة، واستغلال المال العام لأغراضٍ سياسيَّة.

    - السرقة، والغِش، وخيانة الأمانة، والغل، والرِّشوة.

    - الاختلاس، وهو: استيلاء الموظَّفين والعاملين في مكانٍ ما على ما في أيديهم من أموال نقديَّة دون سندٍ شرعي.

    - المجاملة في ترسِيَة العَطَاءات والمناقصات - عمْدًا - على شخصٍ بعينه، ويوجَد مِن بين المتقدِّمين مَن هو أفضلُ منه.

    - الحصول على عمولة من المشتري أو من المورِّد أو مَن في حُكْمهم؛ نَظِير تسهيل بعض الأمور دون عِلْم المالك، وتُعَدُّ من قبيل الرِّشوة المحرَّمة أيضًا.

    - الاعتداء على الممتلكات العامَّة - كالحدائق والمستشفيات والمتنزهات - التي ليس لها مالكٌ معيَّن.

    - استخدام الممتلكات الخاصة بالعمل استخدامًا شخصيًّا؛ مثل: التلفاز والسيارة، وأدوات الكتابة، دون استئذانِ الجهة المالكة.

    - الائْتِمَان على صندوق تبرُّعات خاصٍّ بالدولة، فيَأْخُذ منه، وهذه خِيانة للأمانة وتَعَدٍّ على المال العام.

    - التصرُّف في المال الموقوف للمسجد، واستعماله في أغراض شخصيَّة.

    - سرقة الأدوية والتلاعُب بها، مثل: أنْ يقومَ الطبيب بوصْف أدوية لا يحتاج إليها المريضُ من حيث النوعيَّة والكميَّة، وإعطاء هذه الأدوية للصيدلية المتعاملة بالمسروقات، فتُباع بسعرٍ أقلَّ من سعر التكلفة لدواءٍ مُشْتَرى بشكلٍ رَسْمي، ومدوَّن عليه التسعيرة (لاصق النقابة)، ويقوم الصيدلاني بتغيير كميَّة الأدوية المكتوبة في الوصفة بطُرق غير مكشوفة، كأنْ يكون مكتوب في الوصفة علبة واحدة، فيغيِّر الصيدلي الرقْم إلى علبتين، ويأخذ العلبة الأخرى له.

    - الهروب والتخفِّي من مُحَصِّل سيارات هيئَة النقْل العام والقطارات، بل رُبَّما تعدَّى بعضُ الناس عليهما بالسباب والضرْب.

    المبحث الرابع: نماذج من المال العام في الإسلام:
    رُبَّما يَعْلق بذِهْنِ القارئ ويقول: أنت لَم تُبَيِّنْ لنا صُوَر هذا المال، أعني: المال العام، فأقول: حَنَانَيك، وإليك ما تُريد:

    1- دُور العبادة والتعليم والعلاج، والأيتام والمسنين والخدمات الاجتماعية المختلفة.

    2- الطُّرق والجسور والمواني، والقناطر والمرافِق العامَّة.

    3- مشروعات البِنْيَة الأساسية للمجتمع، مثل: المياه والكهرباء، والاتصالات والانتقالات، والصرف الصحي، والشوارع والطُّرق.

    4- الأراضي المختلفة المخصَّصة لمنافع الدولة، مثل: الملاعب والساحات الرياضية.

    5- المعادن المستخرَجة من الأرضٍ عامَّة.

    6- البحار والأنهار ومصافي المياه، والتِّرَع والقَنَوات.

    المبحث الخامس: الأسباب المؤدِّيَة إلى الاعتداء على المال العام.
    1- ضَعْف العقيدة عند المعتدي، ورِقَّة الدِّيَانة المفْضِية إلى ذلك.

    2- سوءُ الْخُلق، وانعدام الْمُروءة.

    3- الْجَهل بأحكام الله - عزَّ وجلَّ.

    4- عدم مُراقبة المولَى - سبحانه وتعالى.

    5- عدم تطبيق أحكام ومبادئ دين الإسلام العظيم.

    6- ضَعْف النُّظم والأجهزة المنُوطَة بحمايته.

    7- تقصير وَلِيِّ الأمر في القيام بالمسؤوليَّات التي حَمَّلَه الله إيَّاها، وفي هذا المقام نذكُر قولَ عمر - رضي الله عنه -: "لو أنَّ بَغْلَةً عَثرتْ في الطريق بالعراق، لسُئِل عنها عمر: لِمَ لَم تُمَهِّد لها الطريقَ؟".

    8- ضَعْف القِيَم الإيمانيَّة، وعدم الالتزام بالأمانة والصِّدق، والعِفَّة والنَّزَاهة.

    9- ضَعْف رُوح الأخوَّة، وعدم وُجُود القُدوة الْحَسَنة.

    10- تَفَشِّي المحسوبيَّة والمجاملات الشخصيَّة.

    المبحث السادس: ما واجبنا تجاه المال العام؟
    إنَّ الله - سبحانه - حرَّم الاعتِداء على مال الغير بأيِّ نوعٍ من العُدوان، وجعَلَه ظُلمًا يكون ظلمات يوم القيامة، ووضَعَ له عقوبات دنيويَّة بالحدِّ أو التعزير بما يتناسب وحَجْم الاعتداء وأهميَّته، فإنه حرَّم علينا الاعتداء على الممتلكات العامَّة، التي ليس لها مالِكٌ معيَّنٌ؛ فهي مِلْكٌ للجميع، ولكلٍّ فيها قدرٌ ما يجبُ احترامه، والظُّلم فيه ظُلمٌ للغير وللنفْس أيضًا، والله لا يحب الظالمين.

    لقد قال الله في الغنائم التي هي مِلْك للعامَّة: ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: 161].

    وقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيمَن استغلَّ وظيفتَه ليكْسِبَ بها لنفسه، حينما جاء بما جَمَعه من الصَّدقات المفروضة، واحتجزَ لنفسه الهدايا التي قُدِّمَتْ إليه، قال: ((هلاَّ جَلَس في بيت أبيه وأُمِّه؛ حتى ينظرَ أيُهْدَى إليه أم لا))[40].

    وحذَّر من مَجيء هذه الأموال المختلسة شاهِدَ إدانة عليه يوم القيامة يَحملها على ظَهْره، ولا مُجير له يدافعُ عنه، كما بيَّن أنَّ مَن وُلِّيَ على عملٍ وأخَذَ أَجْره، كان ما يأخذه بعد ذلك غُلولاً.

    والخلفاء الراشدون والسلف الصالح كانوا قُدوة طيِّبة في التعفُّف عن الأموال العامَّة، التي هي حقُّ المسلمين جميعًا، فكانوا لا يأخذون من بيت المال إلاَّ حاجتهم الضروريَّة؛ كما قال أحدُهم: أنا في مال المسلمين كوَلِي اليتيم؛ حيث يقول الله - تعالى -: ﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾[النساء: 6].

    لَمَّا قاتَلَ الصحابة الفُرس وهَزَموهم، وأخْمَدَ الله نارَ المجوس، وجدوا تاجَ كِسرى وبِسَاطه، واللآلئ والجواهر، ووجدوا دُورًا مَليئة بأواني الذهب والفضة، ووجدوا كافورًا كثيرًا جدًّا، ظنُّوه مِلْحًا، خَلَطوه بالعجين، فصار العجينُ مُرًّا، فعَرَفوا أنه ليس بِمِلْحٍ.

    لَمَّا قَسمَ سعد الغنائِمَ، حصَلَ الفارس على اثني عشر ألفًا، وكانوا كلُّهم فُرسانًا، كانوا في معركة بدرٍ ليس معهم إلا فارس، وبعضُهم يتعاقبون بعيرًا، وبعضهم مُشَاة، حتى عُقْلَة البعير لا يجدها، وبعَثَ سعد أربعةَ أخماس البِساط إلى عُمر، فلمَّا نَظر إليه عمر، قال: "إنَّ قومًا أدوا هذا لأُمَناء"، فقال عَلِي: "إنَّك عَفَفْتَ فعفَّتْ رعيَّتُك، ولو رتَعْتَ لرَتَعُوا"، ثم قَسمَ عمر البِسَاط على المسلمين، فأصابَ عليًّا قطعةٌ من البِسَاط، فبَاعَها بعشرين ألفًا"[41].

    ورَحِم الله عمر بن عبدالعزيز سليل الأماجِد الطاهرين، الذي كان ينظرُ في أمور الرعيَّة على ضوء مصباح في بيته، فلمَّا انتهى وبدأ النظرَ في أموره الخاصَّة، أطْفَأَ المصباح؛ حتى لا يستعمل مالَ المسلمين في غير ما هو لعامَّة المسلمين.

    لقد كانتْ لهم مواقفُ رائعة في تعفُّفهم عن المال العام؛ ليَضربوا المثلَ لغيرهم على مدى التاريخ، ووقفوا بقوَّة أمام التصرُّفات التي يظنُّ أنَّ فيها مسَاسًا بأموال المسلمين، فصادروا ما رأوه من هذا القبيل، وأوْدَعوه بيت المال، إنه لا يعصم من الانحرافِ بخصوص المال العامِّ إلا رقابةُ الله - تعالى - الذي لا تَخفى عليه خافيةٌ في الأرض ولا في السماء، وإلاَّ الإيمانُ بأنَّ كلَّ لحمٍ نَبَت من سُحْتٍ، فالنارُ أوْلَى به، وإلاَّ حُسْنُ اختيار من تُوكَل إليهم الأمور على أساس الخبرة والأمانة؛ كما قال يوسف للعزيز: ﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: 55].

    المبحث السابع: كيفيَّة التوبة من سرقة المال العام:
    أولاً: الاعتداء على المال العام أمرٌ خطير، وذنبٌ عظيم، وجُرْمٌ كبير، والواجبُ على مَن أخَذَ منه شيئًا أنْ يتوبَ إلى الله - تعالى - وأنْ يَرُدَّ ما أخَذَ؛ لأنَّ الأصلَ في المال العام أو شِبه العام - ونعني به مال الدولة والمؤسَّسات العامَّة والشركات الخاصَّة - هو المنْعُ، وخصوصًا أنَّ نصوصَ الكتاب والسُّنة قد شدَّدتِ الوعيد في تناول المال العام بغير حقٍّ، وقد جعَلَ الفقهاءُ المالَ العام بمنزلة مال اليتيم؛ في وجوب المحافظة عليه، وشِدَّة تحريم الأخْذِ منه، ويُستثنَى من ذلك ما تَعَارَف الناس على التسامح فيه من الأشياء الاستهلاكيَّة، فيُعْفَى عنه باعتباره مأْذونًا فيه ضِمنًا، على ألاَّ يتوسَّعَ في ذلك؛ مُرَاعاة لأصْل المنْع، على أنَّ الوَرَع أوْلَى بالمسلم الحريص على دينه؛ (ومَن اتَّقى الشُّبهات، فقدِ استبرَأَ لدينه وعِرْضه))[42].

    والقائم بالاعتداء على المال العام بسرقة أو نهب ونحوه، مُعْتَدٍ على عموم المسلمين لا على الدولة فقط، ومَن أخَذَ شيئًا من هذا، فإنه لا يَملكه، والواجب عليه رَدُّه إلى بيت المال - خزينة الدولة - لِمَا روى أحمد وأبو داود والترمذي عن سَمُرة بن جُنْدَب - رضي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((على اليدِ ما أخَذَتْ، حتى تُؤَدِّيَه))[43].

    قال ابن قُدامة - رحمه الله -: "إذا ثبَتَ هذا، فمَن غصب شيئًا، لَزِمَه رَدُّه إنْ كان باقيًا بغير خِلافٍ نَعْلَمه"[44].

    وهذا الردُّ مِن تمام التوبة، فإنه يُشترط لصحة التوبة رَدُّ المظالِم والحقوق إلى أهلها، مع الندَم والاستغفار، والعَزْم على عدم العود لذلك، لكن إذا تعذَّر الردُّ إلى بيت المال، فإنه يتصدَّق بما بَقِي من المال على الفقراء والمساكين، وإنْ كان هو فقيرًا، جازَ أن يأخذ منه قَدْرَ حاجته، وأمَّا ما سَبَق أكْلُه وإنفاقُه وصَرْفُه، فنرجو أنْ يعفوَ الله عنه.

    ثانيًا: يَلزم مَن أخذَ شيئًا من المال العام من أيِّ طريقة أنْ يردَّه إلى مَحلِّه، ولو سبَّب ذلك حَرَجًا له، فإنْ عجَزَ الإنسان عن إرجاع ما أخَذَ أو سيُسبِّب حدوثَ مَفْسدة أكبر بإرجاعها، فإنها تُجْعَل في مَنْفعة عامَّة للمسلمين؛ قال النَّوَوي في "المجموع": "قال الغزالي: إذا كان معه مالٌ حرامٌ وأرادَ التوبة والبراءَة منه، فإنْ كان له مالِكٌ مُعينٌ، وجَبَ صَرْفُه إليه أو إلى وَكيله، فإن كان مَيِّتًا وجَبَ دَفْعُه إلى وارِثه، وإنْ كان لمالكٍ لا يَعرفه، ويَئِس من معرفته، فينبغي أن يَصْرِفَه في مصالح المسلمين العامَّة؛ كالقناطر والرُّبُط، والمساجد ومصالح طريق مكة، ونحو ذلك مما يَشترك المسلمون فيه، وإلا فيتصدَّق به على فقيرٍ أو فقراء، وينبغي أن يتولَّى ذلك القاضي إن كان عفيفًا، فإنْ لَم يكنْ عفيفًا، لَم يَجُز التسليم إليه، وإذا دَفَعه إلى الفقير لا يكون حرامًا على الفقير، بل يكون حَلالاً طيِّبًا، وله أن يتصدَّقَ به على نفسه وعِيَاله إذا كان فقيرًا؛ لأنَّ عِيَالَه إذا كانوا فقراءَ فالوصْفُ موجودٌ فيهم، بل هم أَوْلَى مَن يتصدَّقُ عليه، وله هو أنْ يأخذَ منه قَدْر حاجته؛ لأنَّه أيضًا فقيرٌ، وهذا الذي قاله الغزالي في هذا الفرْع، ذَكَره آخرون من الأصحاب، وهو كما قالوه، ونقَلَه الغزالي أيضًا عن معاوية بن أبي سفيان وغيره من السلَف، عن أحمد بن حنبل، والحارث المحاسبي، وغيرهما من أهْل الوَرَع، والله - سبحانه وتعالى - أعلم".

    قال الغزالي: "إذا وقَعَ في يده مالٌ حرامٌ من يدِ السلطان، قال قوم: يردُّه إلى السلطان، فهو أعلمُ بما يملِك، ولا يتصدَّق به، واختار الحارث المحاسبي هذا، وقال آخرون: يتصدَّق به إذا عَلِم أنَّ السلطان لا يردُّه إلى المالك؛ لأن ردَّه إلى السلطان تكثيرٌ للظلم"، قال الغزالي: "والمختار أنَّه إنْ عَلِم أنه لا يردُّه على مالِكه، فيتصدَّق به عن مالكه".

    قلتُ - القائل الإمام النووي -: المختارُ أنَّه إنْ عَلِم أنَّ السلطان يَصْرِفَه في مَصْرف باطلٍ، أو ظنَّ ذلك ظنًّا ظاهِرًا، لَزِمَه هو أنْ يَصرِفه في مصالح المسلمين، مثل القناطر وغيرها، فإنْ عَجَز عن ذلك أو شقَّ عليه - لخوفٍ أو غيره - تصدَّق به على الأحوج، فالأحوج، وأهمُّ المحتاجين ضعافُ أجناد المسلمين، وإنْ لَم يَظنَّ صَرْفَ السلطان إيَّاه في باطلٍ، فليُعْطه إليه أو إلى نائبه، إنْ أَمْكَنَه ذلك من غير ضَررٍ؛ لأنَّ السلطان أعْرَفُ بالمصالح العامَّة وأقْدَرُ عليها، فإنْ خافَ مِن الصَّرْف إليه ضررًا، صَرَفه هو في المصارف التي ذَكَرناها، فيما إذا ظنَّ أنَّه يَصْرفه في باطلٍ"[45].

    الخاتمة:
    فإنَّ مِن أخطَر القضايا التي تُهدِّد الأمنَ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، الاعتداء على المال العام، والتي أخَذتْ صُوَرًا شتَّى؛ منها: السَّرِقات، والاختِلاسات، والرِّشوة، والغلول، وخيانة الأمانة، والتعامل بالربا، فالله - عزَّ وجلَّ - حَذَّرنا من هَدْره وصَرْفه في غير حِلِّه؛ كما في الحديث الذي رواه البخاري عن المغيرة بن شُعْبة - رضي الله عنه - قال: قال: النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ الله حرَّم عليكم عقوقَ الأُمَّهات ووَأْدَ البَنَات، ومَنْعًا وهَات، وكَرِه لكم قِيل وقَال، وكَثرة السؤال، وإضاعة المال)).

    وبيَّن ربُّنا - عزَّ وجلَّ - أنَّ الإنسان جَمُوع مَنوع، يحبُّ جَمْعَ المال، ويَبْخل بإخراجه؛ ففي التنْزِيل الحكيم: ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ [الفجر: 20].

    لأنَّ الإنسان مركَّبٌ فيه صِفَتا الظُّلْم والجهل، فيَظلم نفسَه ويَجهل حقَّ غيرِه عليه؛ ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً ﴾ [الأحزاب: 72].

    والإنسان مسؤول أمامَ الله - عزَّ وجلَّ - عن هذا المال: من أين اكْتَسَبه؟ وفيمَ أنْفَقَه؟ بهذا جاءَتِ الأحاديث الصحيحة عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.

    لماذا إذًا شدَّد الشرْعُ في حُرمة الأخْذ من المال العام (الغُلُول)؟ لأمور، منها:
    1- لأنَّ المالَ العام تتعلَّق به ذِمَمُ جميع أفراد الأمة، فمَن أخَذَ شيئًا من المال العام - سَرِقة واغتصابًا ونَهبًا - فكأنَّما سَرَق من جميع أفراد الأمة.

    2- لأنَّ الذي يَسْرق المال العام يَسْرق من الأصول التي بها حماية المجتمع من المجاعات والأَزَمات؛ لأنَّه يُخَرِّب في مال نفسه؛ لأنَّ المال العام كلُّ واحدٍ له نصيبٌ فيه، فمَن اعْتَدى على هذا المال وأخذَ منه شيئًا دون وجْه حقٍّ، فكأنَّما سَرَق مالَ نفسه.

    نسألُ الله أن يُجَنِّبنا المكاسبَ المحرَّمة، وأنْ يَحفظَنا عن الحرام أيًّا كان، وصلى الله على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصَحْبه وسلَّم.

    مراجع ومصادر البحث:
    1- صحيح البخاري؛ تحقيق وتعليق مصطفى ديب البُغا، طبعة دار ابن كثير، بيروت.
    2- فتْح الباري؛ لابن حجر، الطبعة السلفية.
    3- صحيح مسلم؛ تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، طبعة الجيل ودار الآفاق الجديدة، بيروت.
    4- الموافَقات؛ للشاطبي، طبعة دار ابن عفان؛ تحقيق مشهور حسن.
    5- المجموع؛ للنووي، دار الفكر، بيروت.
    6- المغني؛ لابن قُدامة، طبعة دار الفكر، بيروت.
    7- تأصيل فقه الأولويَّات دراسة مقاصديَّة تحليليَّة؛ تأليف محمد همام عبدالرحيم، طبعة وزارة الأوقاف القَطَرية.
    8- مفهوم المال في الإسلام؛ للداودي.
    9- سُنن الترمذي؛ تحقيق أحمد شاكر وآخرين، طبعة دار إحياء التراث العربي.
    10- سُنن أبي داود، دار الفكر؛ تحقيق محمد مُحيي الدين عبدالحميد.
    11- سُنن الدارقطني، دار المعرفة، بيروت.
    12- تُحفة الأحوذي، دار الكتب العلمية.
    13- مُسند الإمام أحمد؛ تحقيق شعيب الأرنؤوط، طبعة مؤسسة الرسالة.
    14- الموسوعة الفقهيَّة الكويتيَّة، طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت.
    15- السلسلة الصحيحة؛ للألباني، طبعة مكتبة المعارف.
    16- حُرمة المال العام في ضوء الشريعة الإسلاميَّة؛ تأليف د. حسين حسين شحاتة، طبعة دار النشر للجامعات.
    17- البداية والنهاية؛ لابن كثير، المعارف، بيروت.
    18- رد المحتار؛ لابن عابدين.
    19- الأشباه والنظائر؛ للسيوطي.
    20- الإشراف على مسائل الخلاف؛ للقاضي عبدالوهَّاب المالكي.
    21- أحكام القرآن؛ لابن العربي المالكي.
    22- المنثور في القواعد؛ للزركشي.
    23- شرْح منتهى الإرادات؛ للبُهوتي، طبعة دار الفكر.

    [1] مُتفق عليه من حديث عبدالله بن عمرو.
    [2] حُرمة المال العام في ضوء الشريعة الإسلامية؛  د. حسين شحاتة، ص 13.
    [3] رواه مسلم في صحيحه (6706)، والترمذي في سُننه (1927)، وأبو داود (4882).
    [4] رد المحتار؛ لابن عابدين، 4/ 3.
    [5] المُوافَقات؛ للشاطبي، 2/ 33.
    [6] أحكام القرآن، 3/ 153.
    [7] الإشراف على مسائل الخلاف؛ للقاضي عبدالوهَّاب المالكي، 2/ 271.
    [8] المنثور في القواعد، 3 / 222، ط الشؤون الإسلاميَّة بالكويت.
    [9] الأشباه والنظائر؛ للسيوطي 1/ 327، ط دار الكتب العلمية.
    [10] شرح منتهى الإرادات؛ للبُهوتي، 2 / 142، ط دار الفكر.
    [11] الموسوعة الفقهية الكويتيَّة (19/ 7).
    [12] مفهوم المال في الإسلام؛ للداودي ص16، الموسوعة الفقهيَّة الكويتية، (19/7).
    [13] الموسوعة الفقهيَّة، 19/ 7.
    [14] الموافقات؛ للشاطبي، 4/ 498.
    [15] تأصيل فقه الأولويَّات، 121 - 122؛ تأليف د. محمد همام عبدالرحيم، ط. وزارة الأوقاف القطرية.
    [16] الموافقات؛ للشاطبي، 2/ 33.
    [17] تأصيل فقه الأولويَّات، 122.
    [18] الموافقات؛ للشاطبي،  2 / 33.
    [19] تأصيل فقه الأولويات، 123.
    [20] الموافقات؛ للشاطبي، 2/ 33.
    [21] حُرمة المال العام في ضوء الشريعة الإسلامية، ص 24.
    [22] رواه البخاري في صحيحه، حديث 2950، وأحمد في مُسنده، حديث 27055.
    [23] فتح الباري شرْح صحيح البخاري، 6/ 219.
    [24] رواه الترمذي في سُننه، وقال: حَسن صحيح، 2374، وأحمد في مُسنده 27099، وابن حِبَّان في صحيحه،  4512 بسندٍ صحيح.
    [25] قال المباركفوري في تُحفة الأحوذي:
    "ورُبَّ متخوِّض؛ أي: متسارِع ومتصرِّف، قال في الْمَجْمَع: أصْل الخوض: المشي في الماء وتحريكه، ثم استُعْمِل في التلبيس بالأمر والتصرُّف فيه؛ أي: رُبَّ متصرِّف في مال الله بما لا يرضاه الله؛ أي: يتَصَرَّفون في بيت المال، ويستبدون بمال المسلمين بغير قِسمة، وقيل: هو التخليط في تحصيله مِن غير وجْه كيف أمكن"؛ انتهى.
    فيما شاءَتْ نفسُه؛ أي: فيما أحبَّته وَالْتَذَّتْ به.
    ليس له - أي: جزاء يوم القيامة - إلاَّ النار؛ أي: دخول جهنَّمَ، وهو حُكم مُرَتَّب على الوصْف المناسب، وهو الخوض في مال الله - تعالى - فيكون مُشعرًا بالعِلِّيَّة، وهذا حثٌّ على الاستغناء عن الناس، وذَمِّ السؤال بلا ضرورة".
    [26] سِمْط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي؛ للعصامي.
    [27] رواه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب قول الله - تعالى -: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} [التوبة:60]، ومُحاسبة المصدقين مع الإمام، جزء 2 صفحة 546، حديث 1429، ومسلم كتاب الإمارة، باب تحريم هَدَايا العُمَّال، جزء 6 صفحة 11، حديث 4843.
    [28] قال الدكتور مصطفى البغا في تعليقه على صحيح البخاري:
    استَعْمَلَ: وظَّف، الصدقة: الزكاة، هذا لكم: ما جمعتُه زكاة تأخذونه؛ لتعطوه الفقراءَ المستحقين.
    منه: من المال الذي يُهدَى له بسبب عمله ووظيفته.
    جاء به: حُشِر مُصاحبًا له.
    رُغاء: صوت ذوات الْخُفِّ،  خُوار: صوت البقر، تَيْعر: من اليُعار، وهو صوت الشاة.
    عُفْرة إبطيه: بياض ما تحت الإبط، وسُمي عُفرة؛ لأنه بياض غير ناصع، كأنه معفَّر بالتراب، ثلاثًا؛ أي: كرَّرها ثلاثَ مرات".
    [29] شرْح فتْح القدير على الهداية، ط إحياء التراث.
    [30] - شرْح الْمَحَلِّي على المنهاج، 1/ 348.
    [31] المغني؛ لابن قدامة، 9 / 135، ط مكتبة القاهرة.
    [32] حاشية الدسوقي على الشرْح الكبير، 4/ 366، ط دار الفكر.
    [33] رواه البخاري، كتاب فرْض الْخُمُس، باب قول الله - تعالى -: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41]، حديث 2885، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه.
    [34] السياسة الشرعيَّة؛ لابن تيميَّة، ص 47، دار المعرفة.
    [35] رواه  البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان والنُّذور، باب: مَن نَذَر أنْ يصومَ أيامًا، فَوافَقَ النحرَ أو الفِطر، جزء 6 صفحة 2466، حديث 6329، ومسلم، كتاب الإمارة، باب غِلَظ تحريم الغُلُول، جزء 6 صفحة10، حديث 4839.
    [36] مُتفق عليه من حديث عمر بن الخطاب.
    [37] مُتفق عليه من حديث أبي هريرة.
    [38] قال الدكتور البغا في تعليقه على صحيح البخاري: "فذِكْر الغُلُول": تعرُّض لذِكْره وبَيان حُكمه، "عظَّم أمره": شدَّد في الإنكار على فاعله، "لا أُلفِيَنَّ": لا أَجِدَنَّ، "ثُغاء": صوت الغَنم، "حَمْحَمة": صوت الفرس إذا طَلَب العَلَف، "لا أملك لك شيئًا": من المغفرة؛ لأنَّ الشفاعة أمْرُها إلى الله - تعالى، "رُغاء": صوت البعير، "صامت": الذهب والفضة ونحوهما، "رِقَاع": جمع رُقْعَة، وهي الْخِرْقة، "تَخْفِق": تتحرَّك.
    [39] أخرجه أبو داود في السُّنن، ج 2 / ص 108، والترمذي في السُّنن، ج 1 / ص 238،  والدارمي في سُننه، ج 2 / ص 264،  والخرائطي في "مكارم الأخلاق"، (30)، والدارقطني في سُننه، (303)، والحاكم في "المستدْرَك"، (2 / 46) من طريق طَلْق بن غنَّام عن شريك، وقيس عن أبي حَصِين عن أبي صالح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا، وقال الترمذي: "حديث حَسن غريب"، وصحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة، حديث رقْم 423.
    [40] سَبَق تخريجه.
    [41] البداية والنهاية؛ لابن كثير 7/ 67، طبعة مكتبة المعارف، بيروت.
    [42] مُتفق عليه من حديث النعمان بن بَشير.
    [43] رواه أحمد في مُسنده، 20086، وأبو داود في سُننه 3561، والترمذي في سُننه 1266، وقال: حديث حَسنٌ صحيح، وقال شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند: حسن لغيره.
    [44] المغني؛ لابن قُدامة المقْدِسي، 5/ 374.
    [45] "جو

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت يونيو 23, 2018 9:43 pm