الكتاب والسنة

كل شيء يكون وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم


    التواضع وذم الكبر

    شاطر
    avatar
    t1966a
    Admin

    المساهمات : 736
    تاريخ التسجيل : 01/12/2012
    العمر : 52
    الموقع : https://www.facebook.com/groups/183512361669940/

    التواضع وذم الكبر

    مُساهمة  t1966a في الثلاثاء مارس 06, 2018 11:41 pm

    درس الأربعاء (درس الراحة ) 7 3 218
    تحت عنوان

    التواضع وذم الكبر

    فالتواضُع خُلُق عظيم، وسِمة من سِمات أهل الإيمان، وصفةٌ من صفات أهل الرحمن؛ قال سبحانه: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ [الفرقان: 63].



    فلا عُلو في الأرض ولا فَساد ولا ظلم لِمن أراد أن يصيب نعيمَ الآخرة، قال جلَّ وعلا: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [القصص: 83].



    حتى إنَّ الله سبحانه وتعالى أمر نبيَّه الكريم بخفْض جناحه للمؤمنين؛ أي: بالتواضع واللِّين: ﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الحجر: 88]، وقال عزَّ وجلَّ في آية أخرى: ﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 215].



    فالله جعل نبيَّه رحيمًا بالمؤمنين لا غلظة في قلبه ولا فظاظَة، وكلُّ مسلم مدعوٌّ للتأسِّي به؛ لإصابة الخير، ودرْءِ التفرقة والبُغض؛ قال سبحانه: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران: 159]، وقال عزَّ وجل: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128].



    فكذلك كان خُلُقه عليه الصَّلاة والسلام؛ ليِّن القلب، حليمًا رحيمًا، رحْب الصدر، متواضعًا مع الصغير والكبير، وإذا أجملنا الكلامَ فإنَّ خلقه القرآن كما ذكرَت أمُّنا عائشة رضي الله عنها، وقال سبحانه: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4].



    وقال عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ الله أوحى إليَّ أنْ تَواضعُوا؛ حتى لا يَفخر أحدٌ على أحدٍ، ولا يبغي أحدٌ على أحد))؛ رواه مسلم.



    نعم، إنَّ المتواضع يرفعه الله؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما نقصَت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلَّا عزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلَّا رفعه الله))؛ رواه مسلم.



    فالمسلم يلزمه الاتِّصافُ بهذا الخُلُق العظيم - التواضع - في كلِّ صور حياته؛ فيَعبد اللهَ تعالى ممتثلًا أمره، مجتنبًا نهيه، متواضعًا لعظمته سبحانه، خاضعًا لعزَّته، قال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [السجدة: 15].



    قال ابن القيم: فكلَّما شمخَت نفسُه، ذكر عظمَةَ الربِّ تعالى، وتفرُّده بذلك، وغضبه الشديد على مَن نازعه ذلك، فتواضعَت إليه نفسُه، وانكسر لعظمَةِ الله قلبُه، واطمأنَّ لهيبته، وأخبَت لسلطانه؛ فهذا غاية التواضع.



    كما يتواضع في مشيته ولِباسه، وإن كان منه العكس وتكبَّر على الخلق، فإنَّ الوعيد شديدٌ عياذًا بالله؛ فعن ابن عمر عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((بينما رجل يجرُّ إزارَه من الخُيلاء خُسِف به؛ فهو يتجلجَلُ في الأرض إلى يوم القيامة))؛ أخرجه البخاري.



    وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((بينما رجل يَمشي في حلُّةٍ تعجبه نفسُه مُرجِّلٌ جُمَّتَه، إذ خسَف اللهُ به؛ فهو يتجلجل إلى يوم القيامة))؛ أخرجه البخاري.



    فالحذر الحذر من الاتِّصاف بخُلُق الشياطين وكبيرهم إبليس الذي تكبَّر على الله تعالى وتجرَّأ، قال سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾ [الأعراف: 11، 12].



    والأدلَّة التي تحذِّر من الوقوع في الكِبر كثيرةٌ، نذكر منها:

    • قال الله تعالى: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [الأعراف: 146].

    • وقال سبحانه: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾ [غافر: 35].

    • وقال سبحانه: ﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ﴾ [النحل: 23].



    • وعن عبدالله بن مسعود عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يدخل الجنَّةَ مَن كان في قلبه مِثقال ذرَّةٍ من كِبر))، قال رجل: إنَّ الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة؟ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله جميلٌ يحبُّ الجمالَ؛ الكِبرُ: بَطرُ الحقِّ، وغمطُ الناس))؛ أي: ردُّ الحقِّ واحتقار النَّاس.



    • وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنَّةَ مَن كان في قلبه حبَّةُ خردلٍ مِن كِبرٍ))؛ أخرجه مسلم.



    • وقال صلى الله عليه وسلم: ((يقول اللهُ تعالى: الكِبرياء ردائي، والعظَمةُ إزاري، فمَن نازعني فيهما، ألقيتُه في جهنَّم ولا أبالي))؛ أخرجه مسلم.



    • وعنه صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبركم بأهل الجنَّةِ؟ كلُّ ضعيفٍ متضاعِفٍ لو أقسَمَ على الله لأبرَّه، ألا أخبركم بأهل النَّار؟ كل عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُستكبرٍ))؛ رواه البخاري.



    وهذه بعض الأمثلة الجميلة التي ضُربت لنا في التواضع:

    • فقد رُوي أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه أقبل من السُّوق يحمل حزمةَ حطَبٍ وهو يومئذٍ خليفةٌ بالمدينة لمروان، ويقول: أوسِعوا للأميرِ ليمرَّ، وهو يحمل حزمةَ الحطب.



    • ورئي عمرُ بن الخطَّاب مرَّةً حاملًا لحمًا بيده اليسرى، وفي يده اليمنى الدرَّة؛ وهو أمير المسلمين وخليفتهم يومئذٍ.



    • وروي أنَّ عليًّا رضي الله عنه اشترى لحمًا فجعله في ملحفته، فقيل له: يُحمل عنك يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: لا، أبو العيال أحقُّ أن يَحمِل.



    • قال أنس بن مالك رضي الله عنه: إن كانت الأمَةُ من إماء المدينة لتَأخُذُ بيد الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم فتَنطلق به حيث شاءَت.



    [انظر: "منهاج المسلم"؛ للشيخ أبي بكر جابر الجزائري، دار نشر سوماكرام، ص (139)].



    وينبغي التنبيه إلى الفرْق بين التَّواضع والمذلَّة، والكِبرِ والعزَّةِ؛ فالضابط الذي يميِّزهم شرْعُ الله والعُرفُ المعتبَر.

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين سبتمبر 24, 2018 8:58 pm