الكتاب والسنة

كل شيء يكون وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم


    أكل السحت وسوء عاقبته في الدنيا والآخرة

    شاطر
    avatar
    t1966a
    Admin

    المساهمات : 696
    تاريخ التسجيل : 01/12/2012
    العمر : 52
    الموقع : https://www.facebook.com/groups/183512361669940/

    أكل السحت وسوء عاقبته في الدنيا والآخرة

    مُساهمة  t1966a في الإثنين فبراير 05, 2018 11:05 pm

    ---- أكل السحت وسوء عاقبتة في الدنيا والآخر

    بتاريخ 23 من جماد أول 1439هـ الموافق 9 من فبراير 2018م (أكل السحت وسوء عاقبتة في الدنيا والآخرة )
    المقدمة
    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، الحمد لله الذي خلق الأرض والسموات ، الحمد لله الذي علم العثرات ، فسترها على اهلها وأنزل الرحمات ، ثم غفرها لهم ومحا السيئات ، فله الحمد ملئ خزائن البركات ، وله الحمد ما تتابعت بالقلب النبضات ، وله الحمد ماتعاقبت الخطوات ، وله الحمد عدد حبات الرمال في الفلوات ، وعدد ذرات الهواء في الأرض والسماوات ، وعدد الحركات والسكنات ،
    سبحانه سبحانه سبحانه
    الطير سبحه والوحش مجده والموج كبره والحوت ناجاه والنمل تحت الصخور الصم قدسه والنحل يهتف حمدآ في خلاياه

    الناس يعصونه جهرآ فيسترهم والعبد ينسى وربي ليس ينساه
    وأشهد أن لا إله إلا الله لا مفرج للكربات إلا هو ، ولا مقيل للعثرات إلا هو ، ولا مدبرللملكوت إلا هو ، ولاسامع للأصوات إلا هو ، ما نزل غيث إلا بمداد حكمته ، وما انتصر دين إلا بمداد عزته ، وما اقشعرت القلوب إلا من عظمته ، وما سقط حجر من جبل إلا من خشيته ،
    وأشهد أن محمدآ عبده ورسوله قام في خدمته ، وقضى نحبه في الدعوة لعبادته ، واقام اعوجاج الخلق بشريعته ، وعاش للتوحيد ففاز بخلته ، وصبر على دعوته فارتوى من نهر محبته ، صلى عليك الله يا علم الهدى
    ثم اما بعد
    يقول تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيها الناس ، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ) وقال : ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) ثم ذكر الرجل يطيل السفر ، أشعث أغبر ، يمد يديه إلى السماء ، يا رب ، يا رب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك ". ( رواه مسلم(
    فحب المال طبيعةٌ في البشر، وفطرة في الإنسان، قال تعالى(وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) الفجر: ٢٠
    روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب " ويشيب ابن آدم وتشيب معه خصلتان، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان: حب المال وطول العمر. ( البخاري ومسلم)
    وروى الإمامُ أحمد في "مسنده"، من حديث كعب بن عِياضٍ رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ لكلِّ أمَّةٍ فتنةً، وإنَّ فتنةَ أُمَّتي المالُ)
    وممَّا يُلاحَظُ: تساهل كثيرٍ من الناس في أكل المال الحرام؛ وذلك مصداقًا لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((ليأتينَّ على الناس زمانٌ، لا يبالي المرءُ بما أخذَ المالَ: أمِنَ الحلال أم من الحرام)
    وآكل الحرام إنما يعرِّض الإنسان نفسه للعقوبة في الدنيا، وفي قَبْرِه، ويوم القيامة:
    أمَّا في الدنيا، فقد تكون العقوبة خسارةً في ماله، أو مَحْقٌ إلهيٌّ للمال الذي اكتسبه، ونَزْع البركة منه، أو مصيبةً في جسده؛ قال تعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ [البقرة: 276.

    وأما في قبره، فقد ورد في الحديث: أن عبدًا يُقال له مِدْعَمٌ، كان مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم واستشهِد في غزوة خيبر؛ أصابه سهمٌ طائِشٌ، فقال الصحابة رضي الله عنهم: هنيئًا له الشَّهادة، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((كلاَّ، والذي نفسي بيده، إن الشَّمْلة التي أصابها يوم خيبر من المغانِم، لم تُصِبْها المقاسِم - لَتَشْتَعِلُ عليه نارًا))، فلما سمع الناس ذلك، جاء رجلٌ بشِراكٍ أو شِراكَيْن إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: ((شِراكٌ أو شِراكانِ من نارٍ(]؛ وهذه الشَّمْلَة عباءةٌ قيمتها دراهم معدودة، ومع ذلك لم يَسْلَم صاحبها من عقوبة أكل المال الحرام.

    وأما في الآخِرة، فعن كعب بن عَجْرَة: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال له: ((يا كعبُ، لا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ من سُحْتٍ؛ إلاَّ كانت النار أوْلى به)

    فمن أراد أن يأكل الربا ومن أراد أن يسرق ومن أراد أن يأكل حراما تذكر دائما أن من ترك شيئا لله عوضه الله خيراً منه
    فهذه قصة عجيبة تدل على أن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه ـ فقد كان المبارك رقيقا فأعتقه سيده ، وعمل أجيرا عند صاحب بستان ، وفي يوم خرج صاحب البستان ومعه نفر من أصحابه إلى البستان وأمر المبارك أن يحضر لهم رمانا حلوا ، فجمع لهم فلما ذاقه قال للمبارك: أنت ما تعرف الحلو من الحامض؟ فقال المبارك:لم تأذن لي ان آكل حتى أعرف الحلو من الحامض.فظن صاحب البستان أن المبارك يخدعه ، وقال له: أنت منذ كذا وكذا سنة تحرس البستان وتقول هذا؟ثم سأل بعض الجيران عنه فشهدوا له بالخير والصلاح وأنهم ما عرفوا أنه أكل رمانة واحدة ، فجاءه صاحب البستان وقال له إذا أردت أن أزوج ابنتي فممن أزوجها؟ فقال المبارك: إن اليهود يزوجون على المال ، والنصارى يزوجون على الجمال ، والمؤمنين يزوجون على التقوى والدين فانظر من أي الناس أنت؟فقال:وهل أجد لابنتي من هو خير منك؟وعرضها عليه فقبل المبارك وبنى بها ورزق منها أولادا كان منهم عبد الله بن المبارك رحمه الله ، فيا سبحان الله ، عف عن الرمان فسيق إليه البستان وصاحبته ،ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه.
    وهذه قصة الراعي مع عبد الله بن عمر
    وهي من أعجب القصص التي تدل على هذا المعنى ، إذ سار عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ومعه بعض إخوانه فلقي راعي غنم فقال له ابن عمر: بعنا شاة من هذه الغنم ، فقال : إنها ليست لي إنها لسيدي ، فقال ابن عمر : قل لسيدك أكلها الذئب ، فقال الراعي: فأين الله؟ فبكى ابن عمر رضي الله عنه وظل يردد : فأين الله؟ ثم ذهب إلى سيده فاشتراه وأعتقه ، واشترى الغنم ووهبها له ، فانظر كيف عف عن شاة واحدة فأعتق ووهبت له الشياه كلها!!.
    وهكذا فالسارق لو اتقي الله وترك المسروق لله لأعطاه الله هذا الشيئ أو مثله بل ربما يكون أكثر وأفضل منه ، وحلال
    كذلك الزاني لو ترك الزنا لعوضه الله تعالي خيرا منه
    صور اكل السحت
    1- التعامل بالربا ، فالربا ممحوق البركة ، منزوع الخير ، قال تعالى : " يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ " ولقد جاء التحذير من خطورة الربا أو التعامل به في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ : " لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا ، وَمُؤْكِلَهُ ، وَكَاتِبَهُ ، وَشَاهِدَيْهِ ، وَقَالَ : هُمْ سَوَاءٌ " [ أخرجه مسلم ]
    2- ومن صور المال الحرام ، الحلف بالله زوراً لتضييع الحقوق ، وهضم الأموال ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ " ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ ، قَالَ : " وَإِنْ كان قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ " [ أخرجه مسلم والنسائي واللفظ له ] وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَإِنْ قَضَيْتُ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا " [ أخرجه الترمذي وقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
    3- ومن صور المال الحرام أخذ الرشوة ، ولقد لُعن أهلها والمتعاملين بها ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي ".
    4- التسول وسؤال الناس بلا حاجة أو ضرورة ، فالتسول سبب لمحق بركة المال فالتسول تعتيم لصورة الإسلام المضيئة ، وتشويه لحقيقته الوضاءة ، قال صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ ، حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ " [ أخرجه مسلم ]
    5- ومن صور المال الحرام أخذ أموال الناس بقصد السلف والدين ، مع إضمار النية بعدم رده وسداده ، أو التهاون في ذلك ، فهذا هو الظلم والعدوان ، والتعدي على حرمات الواحد الديان ، قال الله المنان : " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ ، وَمَنْ أَخَذَها يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ " [ أخرجه البخاري ]
    6- ومن صور المال الحرام ، بيع المسلم على بيع أخيه ، وشرائه على شرائه ، كمن يشتري سلعة من شخص ، ثم يأتي آخر ، فيعرض مبلغاً أكثر من الأول بقصد الإضرار أو بلا قصد ، فهذا بيع وشراء محرم ، لقوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ حَتَّى يَبْتَاعَ أَوْ يَذَرَ " [ متفق عليه واللفظ للنسائي ]
    7- ومن صور أكل المال الحرام ، غش الناس والتدليس عليهم في المعاملات ، من أجل أكل أموالهم بالباطل ، كمن يجعل طيب الطعام في الأعلى ، والرديء في الأسفل ، أو الجديد في الأعلى والقديم في الأسفل ، أو الكبير في الأعلى والصغير في الأسفل ، وهذا أمر لا يجوز شرعاً ولا عرفاً ، وهو من الغش المتداول بين الناس اليوم ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا ، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا ، فَقَالَ مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ ؟ قَالَ : أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : " أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ ، كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي "
    [ أخرجه مسلم ] 8- الكذب في البيع والشراء ، كمن حلف أنه اشترى السلعة بكذا وكذا ، وهو كاذب في ذلك ، أو أنه أعطي فيها كذا وكذا من الثمن وهو كاذب في ذلك ، ليرفع سعر السلعة وهي لا تساوي المبلغ الذي طلبه .

    عقوبة أكلِ السحت
    وأعظمُ آثارِ أكلِ الحرامِ استحقاقُ النارِ، ففي سنن الترمذي بإسناد صحيح قال رسول : ((يا كعبَ بنَ عُجرةَ، إنه لا يربُو ـ أي لا ينمو ـ لحمٌ نبت من سُحت إلا كانت النارُ أولى به))، وفي رواية أحمد: ((لا يدخل الجنةَ لحمٌ نبت من السحت، وكل لحمٍ نبت من السحت كانت النار أولى به)). والله، إن هذا لحديث خطير، من أحاديث الوعيد التي يرتجف لها القلب الحيّ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ [ق:37]. وكثيرٌ منا يتلقى مثلَ هذا الحديث الصحيح ببرود بسبب برود الإيمان وضعف اليقين.
    فيا عبد الله، إذا كنت لا تبالي بمثل هذا الوعيد فهلا راعيت فلذات كبدك وتحرّيت الحلال من أجلهم؟! لقد كانت المرأة في السلف الصالح حريصة أن لا تأكل هي وأبناؤها إلا الحلال خوفًا من هذا الحديث، فكانت الواحدة منهن توصي زوجها وهو ذاهب إلى عمله قائلة: يا أبا فلان، إننا نصبر على ألم الجوع ولا نصبر على ألم عذاب الله، فاتق الله فينا. أين النساء اللاتي يذكّرن أزواجهن في هذا الزمان بتحري الحلال؟! هذا إن لم تكن هي السبب لكثرة طلباتها إلا ما رحم ربي.
    ومن آثار أكل الحرام والسحت خذلانُ الله لآكله؛ فلا يستجيب دعاءه مهما توفرت أسباب الاستجابة، ففي الحديث أن سعد بن أبي وقاص قال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلَني مستجاب الدعوة، فقال له النبيّ : ((يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة)). وقد أخذ سعد بهذه الوصية الغالية، وأصبح من أكثر المتحرّين للحلال، فقد قيل له: يا سعد، تستجابُ دعوتك من بين أصحاب النبيّ ! فقال: ما رفعت إلى فمي لقمةً إلا وأنا عالمٌ من أين مجيؤها ومن أين خرجت.

    وما أعجب هذا الحديث الذي رواه البيهقي في شعب الإيمان عن زيد بن أرقم قال: كنت عند أبي بكر الصديق فأتاه غلام له بطعام، فأهوى إلى لقمة فأكلها، ثم سأله: من أين اكتسبته؟ قال: كنت قينًا لقوم في الجاهلية فتكهنت لهم فأعطوني، فقال: أف لك؛ كدت أن تهلكني، فأدخل يده في فيه وجعل يتقيأ حتى رمى به، فقيل له: كل هذا من أجل لقمة! قال: لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها؛ سمعت رسول الله يقول: ((أيما لحم نبت من حرام فالنار أولى به)).

    وهناك آثار أخرى سيئة لأكل الحرام منها التكاسلُ عن العبادة؛ وأنّى لجسد غُذيّ بالحرام أن ينشط لطاعة الله؟! ومنها الاستهانةُ بالمعاصي والركونُ إلى الدنيا والغفلةُ عن المصير والدياثةُ وعدمُ المبالاة.
    يقول سفيان الثوري: "مَنْ أنفق الحرام في الطاعة، فهو كمَنْ طهَّر الثوبَ بالبَوْل، والثوب لا يَطْهُر إلا بالماء، والذنب لا يكفِّره إلا الحلال".

    فاللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغنِنا بفضلك عمَّنْ سواك.

    وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم

    الخطبة الثانية
    حرمة أموال الناس :
    قال الله عز وجل : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ) النساء: ٢٩
    وقال سبحانه ( وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) البقرة: ١٨٨
    ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة،فقال رجل : وإن كان شيئا يسيرا يارسول الله ؟ فقال : وإن قضيبا من أراك .( رواه مسلم )
    وعن عائشة رضي الله عنها : من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين .

    وكان هذا مما أكده نبينا صلى الله عليه وسلم في خطبته العظيمة في حجة الوداع، حيث قال :" فإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا". ( رواه البخاري )
    وقد سمى الله أكل المال الحرام سحتاً، كما قال سبحانه عن اليهود (وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)المائدة: ٦٢)

    أيّها الإخوة، من فضل الله علينا أن دائرةَ الحرامِ ضيقة مقارنةً بالحلال، فالمطعومات وطرق الكسب كلّها تندرج تحت المعاملات، والأصل في المعاملات في الإسلام الإباحة حتى يأتي دليل حاظر ومانع من ذلك الأكل أو تلك المعاملة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّبًا [البقرة:168]، وقال: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية:13].
    لكن للأسف هناك طائفة من الناس لم تسعهم تلك المساحة الواسعة من الحلال فاعتدوا بتعاطي الحرام. والمحرمات في الأكل ثلاثة أنواع، وكلُ الصورِ تندرج تحتها، وهي:
    1- أكلُ ما حرّمَ اللهُ؛ كالميتة والخنزير وشرب الخمر ونحوها.
    2- أكلُ الحلالِ بمالِ حرام، كالسرقة والاختلاس والرشوة وأموال اليتامى وغيرها.
    3- التكسّبُ بوسيلة محرّمة غيرِ مشروعة كالبيوع الفاسدة والربا وكسبِ البغي والمغنّي ونحوهم.
    عباد الله إن أكلَ الحرامِ من الكبائر، والكبائر كما هو معلوم لا تكفّرها الصلوات ولا رمضان ولا العمرة، بل تحتاج إلى توبة خاصة، وإذا مات متعاطي الحرامِ وتركه خلفه كان زادًا له إلى النار، ولم ينفعه التصدّق به. روى أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله : ((لا يكسِبُ عبدٌ مالَ حرامٍ فيتصدقُ منه فيُقبلَ منه، ولا يُنفقُ منه فيُباركَ له فيه، ولا يتركه خلفَ ظهره إلا كان زادَه إلى النار. إن الله لا يمحو السيئَ بالسيئِ، ولكن يمحو السيئَ بالحسنِ، إن الخبيثَ لا يمحو الخبيثَ)).
    ولقد أخبر الذي لا ينطق عن الهوى عن زمن نعوذ بالله أن ندركه أو أن نكون فيه، ففي صحيح البخاري قال رسول الله : ((يأتي على الناس زمانٌ لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمِنَ الحلال أم من الحرام)).
    فالمال -يا عباد الله- ظل زائل، وعارية مسترجعة، ستسأل عنه بين يدي الله جل وعلا، ستسأل عن هذا المال كله: من أين اكتسبته؟ وفيما أنفقته؟ واسمع لحبيبك المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول -كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -: ( أيها الناس! إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } [المؤمنون:51]، وقال تعالى للمؤمنين: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } [البقرة:172]، ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل، يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟ ) أنى يستجاب لمن أكل الحرام؟ أنى يستجاب لمن شرب الحرام؟ أنى يستجاب لمن غذى أولاده بالحرام؟ إننا نرى الآن تهاوناً مروعاً في الأكل الطيب الحلال، فترى الرجل لا هم له إلا أن يجمع المال من أي سبيل كان، حتى ولو كان من الحرام، حتى ولو كان من الربا، حتى ولو كان من أموال الناس بالباطل، المهم أن يجمع المال وأن يكنزه، ومع ذلك فو الله لن يخرج من الدنيا بدرهم أو دينار أو دولار.
    النفس تجزع أن تكون فقيرة والفقر خير من غنى يطغيها وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها هي القناعة فالزمها تكن ملكاً لو لم تكن لك إلا راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الطيب والكفن
    فتذكر ـ يا عبد الله ـ دائمًا أن أحد الأسئلة الإجبارية يوم القيامة عن كسبك أمِن الحلال أم من الحرام، ففي الترمذي عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله : ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه ما فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟)).

    أسأل الله أن يعصمَني وإياكم من الحرام وطرقه ووسائله، اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، اللهم إنا نسألك رزقًا واسعًا وحلالاً طيبًا،
    [/b]

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت يونيو 23, 2018 9:42 pm