الكتاب والسنة

كل شيء يكون وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم


    خطبة بعنوان: “ظاهرة التكفير وآثارها على الفرد والمجتمع

    شاطر
    avatar
    t1966a
    Admin

    المساهمات : 753
    تاريخ التسجيل : 01/12/2012
    العمر : 52
    الموقع : https://www.facebook.com/groups/183512361669940/

    خطبة بعنوان: “ظاهرة التكفير وآثارها على الفرد والمجتمع

    مُساهمة  t1966a في الإثنين أبريل 10, 2017 11:51 pm



    خطبة بعنوان: “ظاهرة التكفير وآثارها على الفرد والمجتمع”،، بتاريخ 17 من رجب 1438هـ – 14 إبريل 2017م.
    عناصر الخطبة:

    العنصر الأول: خطورة التكفير على الفرد والمجتمع

    العنصر الثاني: أسباب الوقوع في ظاهرة التكفير

    العنصر الثالث: خطورة الفتوى بغير علم

    العنصر الرابع: دعوة إلى الوسطية والوحدة

    المقدمة: أما بعد؛؛

    العنصر الأول: خطورة التكفير وآثاره على الفرد والمجتمع

    عباد الله: إن من أعظم الفتن التي ابتليت بها الأمة في زماننا هذا فتنة التكفير ؛ فيقع بعض شباب المجتمع الطائش في مغبة تكفير أخيه المسلم بسبب داء الجهل الذي خيم على عقله أو بدافع الهوى الذي أضله عن السبيل، ولا شك أن هذه الظاهرة تعد من مظاهر الغلو في الدين والحكم على الغير بغير حق، إذ كيف يليق بمسلم أن يخرج أهل الإسلام من الملة بسبب شبهة أو هوى، أو خلاف في الرأي؛ أو تقليد لضال قد عميت بصيرته؟!!

    وفتنة التكفير هذه هي الفتنة العظيمة التي مزقت جسد الأمة الإسلامية وهي أول البدع والفتن ظهوراً في الإسلام، فهي المنبع لكثير من الانحرافات العقائدية والسلوكية والنفسية التي عانت منها الأمة المسلمة على مدى أربعة عشر قرناً، وما زالت الأمة تعاني منها إلى الآن .

    أيها المسلمون: إن التكفير حكم شرعي مرده إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل عنه ذلك إلا بيقين، ولا يكفر مسلم بمجرد الشبهة والظن؛ وإذا كان يحرم سباب المسلم وقذفه والاستهزاء به والسخرية منه فكيف بإخراجه من ملة الإسلام؟!! إن ذلك جناية لا تعدلها جناية وجرأة على تعدي حدود الله !! فلا يجوز تكفير أحد من عصاة المسلمين فإنهم تحت مشيئة الله، وتسعهم رحمة الله، فالتكفير من بدع الخوارج الذين يكفرون أصحاب الكبائر من المسلمين، وهم الذين أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ؛ كما أن في التكفير خروجاً عن المنهج القويم الذي رسمه محمد صلى الله عليه وسلم وهو: أن من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد دخل في دائرة الإسلام وهو معصوم الدم والمال، ولهذا أنكر النبي صلى الله عليه وسلم غاية الإنكار على أسامة بن زيد حين قتل رجلاً قال لا إله إلا الله في أرض المعركة . فعن أسامة بن زيد قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَقَتَلْتَهُ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ، قَالَ: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ”. ( متفق عليه ). فأسامة – رضي الله عنه- لخطورة الفعلة تمنى أن تكون قبل إسلامه لأن الإسلام يجب ما قبله!! يقول ابن حجر :” تمنى أن يكون ذلك الوقت أول دخوله في الإسلام ليأمن من جريرة تلك الفعلة ، ولم يرد أنه تمنى أن لا يكون مسلما قبل ذلك .”( فتح الباري). وقد عاتب الله الصحابة في قتل الرجل الذي سلَّم عليهم فقتلوه بحجة أنه قالها تعوذاً؛ وأنزل في ذلك قرآناً يتلى إلى يوم القيامة؛ فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:” مَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَسُوقُ غَنَمًا لَهُ؛ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ؛ فَقَالُوا: مَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا لِيَتَعَوَّذَ مِنْكُمْ؛ فَعَمَدُوا إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غَنَمَهُ!! فَأَتَوْا بِهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا }إِلَى آخِرِ الْآيَةَ”. ( البخاري والترمذي وأحمد واللفظ له).

    لذلك حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من رمي الآخرين بالكفر، وأخبر عن عاقبته السيئة على المعتدي؛ فعن ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ”.( متفق عليه واللفظ لمسلم) وفي رواية للبخاري :” وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ”. يقول القرطبي: “والحاصل؛ أن المقول له إن كان كافراً كفرا شرعياً فقد صدق القائل، وذهب بها المقول له، وإن لم يكن رجعت للقائل معرة ذلك القول وإثمه”. وعلى هذا فمن قال لأخيه المسلم (يا كافر) وهو ليس كذلك فقد عرض القائل نفسه للكفر، لأنه وقع في المعصية والمعاصي بريد الكفر إن لم يتب منها فيخشى عليه من هذه العاقبة.

    أحبتي في الله: إن تكفير الآخرين جريمة نكراء وظاهرة شنعاء؛ ولو علم المكفِّرُ لأخيه المسلم ما يترتب على تكفيره له لما أقدم على ذلك؛ فإن الكافر يحل دمه وماله، ولا تؤكل ذبيحته؛ ويفرق بينه وبين زوجته، ولا يرث ولا يورث، وإذا مات لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين!! ومن هنا يتبين ما للتكفير من توابع تحدث فوضى واضطراباً في المجتمع المسلم، وتمزيقاً لأواصر الأمة الإسلامية، وغرساً لبذور الشقاق والخلاف بين المسلمين.

    أيها المسلمون: اعلموا أن للتكفير عواقبه الوخيمة وأضراره الجسيمة على الفرد والمجتمع؛ فالتكفير ذريعة ومسوغ لاستباحة الدماء وانتهاك الأعراض، وسلب الأموال الخاصّة والعامة، وتفجير المساكن والمركبات، وتخريب المنشآت، وزرع العداوات والأحقاد والفرقة بين أفراد المجتمع؛ فهذه الأعمال وأمثالها محرَّمة شرعًا بإجماع المسلمين؛ لما في ذلك من هتك لحرمة الأنفس المعصومة، وهتك لحرمة الأموال، وهتك لحرمات الأمن والاستقرار، وحياة الناس الآمنين المطمئنين في مساكنهم ومعايشهم، وغُدوِّهم ورواحهم، وهتك للمصالح العامة التي لا غنى عنها للناس في حياتهم؛ وكل هذه جرائم ترتكب تحت ستار التكفير !!

    ألا فاحذروا من هذه الفتنة التي فتحت أبواب الشر والإفساد في الأرض، وعرضت الأنفس المعصومة والأموال المحترمة للخطر، وعملت على زعزعة الأمن والاستقرار في المجتمع وصدق الله العظيم { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}. (الحجرات: 6).

    العنصر الثاني: أسباب الوقوع في ظاهرة التكفير

    عباد الله: إن أسباب نشأة ظاهرة التكفير وفشوها وانتشارها في القديم والحديث يرجع إلى مجموعة من الأسباب المتشابكة، عملت جنباً إلى جنب في نشر هذه الظاهرة وتأمين البيئة الملائمة لنموها واستمرارها، ومنها:

    أولاً: الجهل المركب بمسألة التكفير: والتي هي من المسائل الدقيقة التي لا يحسنها إلا العلماء، فهم بجهلهم يكفرون من شاءوا ولا يفرقون بين كفر أصغر أو أكبر ؛ أو كبيرة وصغيرة؛ ولعل الجهل بأحكام الشريعة من أهم صفات الخوارج الذين كانوا أول من تولى وزر التكفير في هذه الأمة، حين كفروا أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم -، فقد وصفهم النبي – صلى الله عليه وسلم – بقوله:” يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ؛ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ؛ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ؛ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ”. (متفق عليه). يقول الإمام القرطبي مندداً بضلالة الخوارج وقلة فهمهم وتكفيرهم الناس: “ويكفيك من جهلهم وغلوهم في بدعتهم حكمهم بتكفير من شهد له رسول الله بصحة إيمانه وبأنه من أهل الجنة”. وهل هناك جهل مركب بعد هذا الجهل ؟!!!

    ثانياً: الانتماء إلى جماعة أو حزب معين: مع الاقتناع بأفكارهم وجعل التكفير وسيلة في الانتقام من المخالفين، وإشهاره سيفاً مسلطاً على رقابهم، وهو ما اشتهر في هذا الزمان من أن كل فرقة أو جماعة تكفر مخالفيها؛ يقول ابن تيمية: “ومن البدع المنكرة تكفير الطائفة غيرها من طوائف المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم … وهذا حال عامة أهل البدع الذين يكفر بعضهم بعضاً … وهؤلاء من الذين قال الله تعالى فيهم: { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } (الأنعام: 159) “. ويقول رحمه الله: ” من ادعى دعوى وأطلق فيها عنان الجهل مخالفاً فيها لجميع أهل العلم، ثم مع مخالفتهم يريد أن يكفر ويضلل من لم يوافقه، فهذا من أعظم ما يفعله كل جهول مغياق”.(مجموع الفتاوى). ومعنى المغياق المختلط المتحير في الرأي يقال: غَيَّقَ الرجل في رأيه تغييقاً: إذا اختلط فلم يثبت على رأيٍ واحدٍ، فهو يموج.(تهذيب اللغة للأزهري)؛ وهذا ما نراه في وقعنا المعاصر من تفرق الأمة إلى أحزاب وفرق وجماعات؛ وكل حزب بما لديهم فرحون؛ والغير يكفرون !!

    ثالثاً: حداثة السن وقلة التجارب، والغيرة غير المتزنة (عواطف بلا علم ولا حكمة): وهذا شائع وكثير من شبابنا الطائش الذين تشبعوا بالفكر التكفيري المتطرف؛ وهؤلاء يقول عنهم النبي – صلى الله عليه وسلم -: ” يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ “.(البخاري). قال السندي: ” قوله: (أحداث الأسنان) أي صغار الأسنان، فإنّ حداثة السّنّ محلٌّ للفساد عادة. (سفهاء الأحلام): ضعاف العقول”. (حاشية السندي).

    رابعاً: اتباع الفتاوى المضللة: والتي تدعو إلى تكفير بعض الأشخاص واستباحة دمائهم؛ وهذا ما سنعرفه بالتفصيل في عنصرنا التالي:

    العنصر الثالث: خطورة الفتوى بغير علم

    عباد الله: إن مما عمت به البلوى في زماننا هذا الفتوى بغير علم؛ فتجد كثيراً من العامة يفتي بعضهم بعضاً بما لا يعلمون فيقولون: هذا حلال أو حرام أو واجب أو غير واجب وهو لا يدري عن ذلك! أفلا يعلم هذا الرجل أنه موقع عن الله ورسوله في هذه الفتوى؟! يقول الإمام محمد بن المنكدر: إن العالم بين الله تعالى وبين خَلْقه؛ فلينظُرْ كيف يدخل بينهم! وليعلم أن الله سائله عما قال يوم القيامة! أفلا يعلم أنه إذا أضل شخصا فأحل له ما حرم الله أو حَرَمه مما أحلّ الله له فقد باء بإثمه وكان عليه مثل وزر ما عمله من إثم بسبب فتواه؟!

    إن الفتوى بغير علم من أخطر المصائب والمحن التي ابتليت بها الأمة في عصرنا هذا ؛ ولقد بكى سلفنا الصالح بكاءً مريراً من التصدى للفتوى بغير علم !! يقول الإمام مالك – رحمه الله تعالى: أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة بن أبي عبد الرحمن فوجده يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ أمصيبة دخلت عليك؟ فقال: لا، ولكن استُفْتِيَ من لا علم له!!

    أحبتي في الله: إن الصحابة والسلف الصالح – رضي الله عنهم أجمعين – كانوا أعلم الناس بالحلال والحرام ؛ وكان عصرهم خير العصور والقرون بشهادة النبي – صلى الله عليه وسلم – ومع ذلك كانوا يتحرجون من الفتوى لخطورتها ومسئوليتها أمام الله عز وجل ؛ يقول أبو بكرٍ رضي الله عنه: ” أيُّ سماء تُظِلُّني وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني إن أنا قُلتُ في كتاب الله ما لا أعلم”؟! وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلْيَقُلْ بِهِ ; وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلْيَقُلْ : ” اللَّهُ أَعْلَمُ ” فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ: { قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ }(البخاري ومسلم)”، وروى الدراميُّ في سننه عن أبي موسى رضي الله عنه أنه قال في خطبته: “مَن علِم علمًا فليعلِّمْه الناس، وإياه أن يقول ما لا علم له به، فيمرُقَ مِن الدِّين، ويكون من المتكلفين”.

    من هنا تكمن خطورة الفتوى؛ لذلك هاب الفتوى أكابرُ العلماء، على الرغم من علمهم الوفير، وعملهم بهذا العلم، ولم تدفعهم شهرتهم الواسعة إلى التجرؤ على الفتوى، فلا يتحرج أحدهم من قول: لا أدري إن كانت المسألة معضِلة، أو يؤخر الجواب إلى حين البحث عنها، فقد روى الإمام ابن المبارك في الزهد بسند صحيح عن عبدالرحمن بن أبي ليلي قال: “أدركتُ عشرين ومائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم – أراه قال: في هذا المسجد – فما كان منهم محدِّث إلا ودَّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا مُفْتٍ إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا”. وورد عن أبي حصين عثمان بن عاصم ـ رحمه الله تعالى ـ قوله: “إن أحدَكم ليُفتي في المسألة، ولو وردَتْ على عمر رضي الله عنه لجمَع لها أهل بدرٍ”، وذكر الحافظ أبو عمر بن عبدالبر الأندلسي عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنهم: أن رجلًا جاءه ليسأله عن مسألة، فقال القاسم: لا أُحسِنه، فقال الرجل: إني لا أعرف أحدًا غيرك، فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي، وكثرة الناس حولي، والله ما أُحسِنه، فقال شيخ من قريش كان جالسًا: يا بنَ أخي، الزَمْها؛ فوالله ما رأيتك في مجلس أنبلَ منك اليوم، قال القاسم: والله لأن يُقطَعَ لساني أحبُّ إليَّ مِن أتكلم بما لا علم لي به، ورُوي عن الشافعي ـ رحمه الله ـ أنه سئل عن مسألة فسكَت، فقيل له: ألا تُجيب رحمك الله؟، فقال: حتى أدري الفضل في سكوتي أم في الجواب!، وكان الإمام أحمدُ بن حنبل ـ رحمه الله ـ على غزارة علمه يستفتى، فيُكثر مِن قول: لا أدري. ( إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم).

    وهذا الإمام مالك رحمه الله تعالى يقول: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أَهْلٌ لذلك؛ يعني سبعين من أهل العلم!! ومع ذلك لا يفتي في كل ما يُسأل عنه؛ وكان إذا سُئل عن مسألة كأنه واقف بين الجنة والنار، وجاءه رجل مسافر فسأله عن أربعين مسألة، فأجابه عن خمس مسائل، وقال عن البقية: لا أدري! فقال الرجل: جئتك من كذا وكذا، وتقول: لا أدري!! قال: نعم، اركب راحلتك، وقل للناس: سألت مالكًا؟ وقال: لا أدري!! ( سير أعلام النبلاء ). وهذا ابـن عمر – رضي الله عنهما – يُسْأَلُ عن عشر مسائل فَيُجِيبُ عن واحدةٍ ويَسْكُتُ عَن تِسْعٍ!! وعن عقبةَ بن مسلم قال: صحبتُ ابن عمر رضي الله عنهما أربعةً وثلاثين شهرًا، فكثيرًا ما كان يُسأَل فيقول: لا أدري، ثم يلتَفتُ إليَّ فيقول: تَدري ما يريدُ هؤلاء؟! يريدون أن يجعلوا ظهورَنا جِسرًا إلى جهنّم!! وسئل الشعبي مرة عن مسألة فقال: لا عِلْمَ لي بها، فقيل له: ألا تستحي، فقال: ولم أستحي مما لم تستحِ الملائكة منه حين قالت: { لَا عِلْمَ لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتَنَا}. [البقرة: 32].

    أيها المسلمون: إن الذي يعرِّض نفسه للفتوى لا بد أن يعلم يقينًا أنه سيحاسب عن كلِّ ما يتكلم به، فإذا أفتى بغير علم، أو أفتى بخلاف ما هو صواب، لهوًى، أو لغرَضٍ، أو لتحقيق دنيا عاجلة – إنما يُقحِم نفسه في الويل والهلاك.

    إنك لتعجَب كل العجب ممَّن يبحث عن الطبيب الحاذق ليعالجه، والمهندس الماهر ليرسم له ويخطط، والمحامي حاضر الذهن ليدافع عنه، أما إذا تعلق الأمر بالدين فالتساهل يكون سائدًا، وتتبُّع الرُّخَص يكون هو الغالب!!! ولو أن شخصا سأل عن طريق بلد من البلدان فقلت: الطريق من هنا وأنت لا تعلم لعد الناس ذلك خيانة منك وتغريراً، فكيف تتكلم عن طريق الجنة وهو الشريعة التي أنزل الله وأنت لا تعلم عنها شيئا ؟!! لذلك ينبغي علينا أن نسأل أهل العلم وأهل الذكر المتخصصين؛ استجابة لقوله تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون} [النحل:43]. وأهل الذكر هم العلماء، والذكر هو الوحي.

    العنصر الرابع: دعوة إلى الوسطية والوحدة

    عباد الله: إن علاج ما نحن فيه – من تشدد وتنطع وغلو وتكفير وما ينتج عن ذلك من خراب ودمار وقتل وتفجير – هو نشر الفكر الوسطي وإبراز سماحة الإسلام وأخلاقه في التعامل مع المسلمين وغير المسلمين؛ فالإسلام دين الوسطية والاعتدال؛ دين اليسر والسماحة؛ ولقد ضاع الإسلام بين الإفراط والتفريط؛ بين التشدد والتنطع وبين التسيب والتساهل المفرط؛ وخير الأمور أوساطها؛ لأن آفة الانحراف عن الوسطية أو الشذوذ عنها يقود إلى التطرف والجهل والاستبداد والإفساد والقتل والتخريب والإرهاب، والتقليد الأعمى، والتصرفات المرتجلة دون رؤية وتشاور وتقدير هادئ لعواقب الأمور، ولذلك تعاني بعض المجتمعات الإسلامية من تفشي الغلو والتطرف في الدين بين صفوف المراهقين فكرياً، وذلك من خلال تطبيق ممارسات خاطئة بحجة التمسك بالدين، وفي الواقع هم أبعد ما يكونون عن الدين الإسلامي الحنيف دين الوسطية والاعتدال؛ لذا يجب علينا جميعاً حفظ عقول الشباب مما يفسدها !!

    أيها المسلمون: إنَّ المحافظة على عُقول الناس من أهمِّ أسباب الإصلاح؛ لأنَّ الناس لو استقامتْ عقولهم، صاروا يُفكِّرون فيما ينفَعُهم ويبتَعِدون عمَّا يضرُّهم، إذًا هناك علاقةٌ كبيرة بين المحافظة على عقول الناس وبين الإصلاح ؛ لأن مما يذهب بأمن الناس انتشار المفاهيم الخاطئة حيال نصوص القرآن والسنة، وعدم فهمهما بفهم السلف الصالح، وهل كُفِّر الناس وأريقت الدماء وقُتل الأبرياء وخُفرت الذمم بقتل المستأمنين وفُجِّرت البقاع إلا بهذه المفاهيم المعكوسة؛ والأفكار المتطرفة المنكوسة؟!!

    إن وسطية الإسلام تقتضي من المسلم أن يكون عادلاً في حكمة بعيداً عن ظلم الآخرين فهم وطنيون ومصريون مثله!! فكيف يهون عليه أن يستبيح دماءهم وأموالهم بغير حق؟!! إنه غاية التطرف والغلو والتكفير بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى!!!

    يا شباب الإسلام: إياكم وهذه الدعوات الخطيرة التي تدعو إلى التكفير والتفجير وزعزعة الأمن، واعلموا أن من أعظم الواجبات الرجوع لأهل العلم الموثوق بعلمهم فيما يُشكل عليكم؛ لأن الله جعلهم هداة مهتدين؛ ونسأل الله أن يجتث هذه الأفكار الدخيلة من بيننا!!

    أيها المسلمون: اعلموا أن مصرنا الحبيبة يتربص بها الأعداء من الداخل والخارج؛ والهدف هو إسقاطها ولحوقها بغيرها من البلاد؛ فهم يسعون بكل الطرق والسبل للنيل من وحدة أبنائها واجتماعهم على كلمة واحدة؛ ولا شك أن الغرب وأعداء الإسلام – وعلى رأسهم اليهود – يتألمون حينما يروا وحدة العرب والمسلمين، فهذه الوحدة وهذا الاجتماع والتضامن والاعتصام يقلق مضجعهم ويجعلهم ينظرون إلى المسلمين نظرة حقد وحسد، وقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم بذلك حيث قال: ” إِنَّهُمْ لَا يَحْسُدُونَا عَلَى شَيْءٍ كَمَا يَحْسُدُونَا عَلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ الَّتِي هَدَانَا اللَّهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا ، وَعَلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي هَدَانَا اللَّهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا ، وَعَلَى قَوْلِنَا خَلْفَ الْإِمَامِ آمِينَ ” ( أحمد والبيهقي بسند صحيح). فأعداء النجاح وأعداء الإسلام يضمرون الحسد والحقد على وحدة المسلمين قديما وحديثاً؛ وهذا الذي حمل اليهود على تمزيق وحدة المسلمين بكل السبل في المدينة المنورة !! وفي ذلك نزل قوله تعالى:{ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} ( آل عمران : 103) . قال الحافظ ابن كثير في تفسيره : “أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلا من اليهود مَرَّ بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هُمْ عليه من الاتفاق والألْفَة، فبعث رجلا معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بُعَاث وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبُه حتى حميت نفوس القوم وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعارهم وطلبوا أسلحتهم، وتواعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجعل يُسكِّنهم ويقول: “أبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ وأَنَا بَيْنَ أظْهُرِكُمْ؟” وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا، وألقوا السلاح، رضي الله عنهم.”أ.ه

    وفي العصر الحديث صرحوا بهذا الحقد والحسد على وحدة المسلمين وتضامنهم في كتبهم ومؤتمراتهم، ففي بروتوكولات (حكماء صهيون) قالوا: إننا لن نستطيع التغلب على المسلمين ماداموا متحدين دولاً وشعوباً تحت حكم خليفة واحد ، فلا بد من إسقاط الخلافة وتقسيم الدولة الإسلامية إلى دويلات ضعيفة لا تستطيع الوقوف في وجهنا فيسهل علينا استعمارها . ويقول لورانس براون : “إذا اتحد المسلمون في إمبراطورية عربية أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم وخطراً ، أما إذا بقوا متفرقين فإنهم يظلون حينئذٍ بلا وزن ولا تأثير”.

    إنَّ الأمة الإسلاميَّة والعربية متى اجْتمعتْ واتَّحدتْ وتضامنت، لَم تستطعْ أُمَّة مَهْمَا كانتْ قوَّتها النَّيْل منها؛ لأن يدَ الله مع الجماعة، ولأنها مع اتِّحادها مَحمية بربِّها، وهذا ما عُرِف على مَرِّ السنين، فما قَوِيَتْ أُمَّة مُتفرقة مُشَتَّتة، وما ضَعُفَتْ أُمَّة اجْتمعتْ وتكاتَفَتْ وارتبطتْ بربِّها.

    أيها المسلمون: نحن في سفينة واحدة ؛ ولابد أن نتضامن جميعا من أجل نجاة هذه السفينة ؛ كما علينا أن نأخذ على أيدي العابثين بهذه السفينة؛ وإلا غرقت بنا جميعا ؛ فعن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا ” ( البخاري )

    إننا إن فعلنا ذلك وأصبحنا متحدين مجتمعين متضامنين متعاونين يداً واحدة في الضرب بيد من حديد على كل متربص ببلدنا أو وطننا أو ديننا أو مقدساتنا أو أفراد مجتمعنا أو مؤسساتنا ؛ مع نشر تعاليم الإسلام الوسطية السمحة ؛ فإننا بحق نستطيع بناء وطننا ونقضي على التطرف والتكفير والإرهاب بكل صوره وأشكاله؛ ونعيش آمنين مطمئنين متكافلين متراحمين كما أراد لنا ديننا الحنيف!!!

    الدعاء،،،، .

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 6:50 pm