الكتاب والسنة

كل شيء يكون وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم


    الإيثار من أخلاق الإسلام العالية

    شاطر
    avatar
    t1966a
    Admin

    المساهمات : 749
    تاريخ التسجيل : 01/12/2012
    العمر : 52
    الموقع : https://www.facebook.com/groups/183512361669940/

    الإيثار من أخلاق الإسلام العالية

    مُساهمة  t1966a في الخميس نوفمبر 03, 2016 10:49 pm

    لإيثار من أخلاق الإسلام العالية
    ================
    أولا: العناصر:
    1. التحذير من الأثرة والبخل.
    2. الإيثار، ومكانته.
    3. صور وأشكال الإيثار.
    4. مراتب الإيثار، ودرجاته.
    5. صورة من الإيثار مطلوبة اليوم.
    ======================
    ثانيا: الموضوع:
    الحمد لله ربّ العالمين، جعل الإيثار صفة من صفات المؤمنين، وامتدحهم، وأثنى عليهم في القرآن الكريم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، سبحانه سبحانه، حثنا على الإيثار والبذل، ونهانا عن الأثرة والبخل، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، خير من آثر على نفسه وتصدّق، وبسط يديه وأنفق، صلاة وسلاما عليه وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه، وأحبابه إلى يوم الدين، وبعد:ـ
    ===============
    التحذير من الأثرة، والبخل:
    ===============
    أيها الأحبة الكرام الإسلام هو دين المثل والقيم والأخلاق، وقد حارب بتعاليمه ذميم الطباع والعادات، ومن ذميم الطباع التي حاربها الإسلام؛ الأثرة؛ التي تعني حب التملك، والأنانية، والاستبداد، والأثرة ضرب من ضروب الشح والبخل، وعلامة على نقص الإيمان، ودليل على عدم التوكل والاعتماد على الله، وتؤدي لسفك الدماء، واستحلال المحارم، وقطع الأرحام، كما أنها تؤدي لقطع آواصر الود والمحبة، والترابط بين المؤمنين، وسبب لمنع ما أمر الله به من البذل، والإنفاق، وطريق للهلاك والخسران، لذلك حذرنا القرآن والسنة من الاتصاف بها، والوقوع فيها، فيقول سبحانه:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[التغابن:16]، وعن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)Sadإِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ)(مسند أحمد).
    ==========
    الإيثار، ومكانته:
    ==========
    وقد حارب الإسلام الأثرة، والبخل بخلق كريم هو أعظم ما تميز به الإسلام عن غيره، ألا وهو الإيثار. والإيثار هو تقديم الغير على النفس في حظوظها الدنيوية، رغبةً في رضا ربّ البرية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتأكيد المحبة، والصبر على المشقة. فالإيثار لاينبع إلّا من إيمان قوي بالله، وثقةٍ في ما عنده، واعتمادٍ وتوكلٍ عليه، الأمر الذي يدفع المتخلقين به إلى تحمل اللوم، وترك ديارهم، وأموالهم، بل والتضحية بأنفسهم ابتغاء لمرضاة الله، قال تعالى:{وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[الحشر:9]، فهو دليل على الجود، والسخاء، وعظم النفس، وزهدها في الحياة الدنيا.
    والإيثار من أعظم أخلاق المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، وما من خلق إلا وتربع النبي (صلى الله عليه وسلم) على عرشه، وعلا ذروة سنامه، وقد كان (صلى الله عليه وسلم) يؤثر على نفسه قبل البعثة وبعدها بكل ما ملكت يداه، فعن عائشة (رضي الله عنها) قالت: (لَوْ شِئْنَا أَنْ نَشْبَعَ شَبِعْنَا، وَلَكِنَّ مُحَمَّدًا (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كَانَ يُؤْثِرُ عَلَى نَفْسِهِ)(شعب الإيمان)، وعن سهل بن سعد (رضي الله عنه)، قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ببردة (شملة)... فقالت: يا رسول الله، أكسوك هذه، فأخذها النبي (صلى الله عليه وسلم) محتاجا إليها فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة، فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذه، فاكسنيها، فقال: (نَعَمْ). فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم لامه أصحابه، قالوا: ما أحسنت حين رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) أخذها محتاجا إليها، ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يسأل شيئا فيمنعه، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم، لعلي أكفن فيها.(رواه البخاري)، ولقد بلغ من إيثار النبي (صلى الله عليه وسلم)؛ أنه إن لم يجد ما يجود به أمر السائل أن يقترض وتكفل (صلى الله عليه وسلم) بالسداد، فعن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال: جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فسأله فقالSadمَا عِنْدِي شَيْءٌ أُعْطِيكَ، وَلَكِنِ اسْتَقْرِضْ حَتَّى يَأْتِينَا شَيْءٌ فَنُعْطِيَكَ). فقال عمر (رضي الله عنه): ما كلفك الله هذا، أعطيتَ ما عندك، فإذا لم يكن عندك فلا تكلف. قال: فكره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قول عمر (رضي الله عنه) حتى عُرِف في وجهه فقال الرجل: يا رسول الله بأبي وأمي أنت، فأعط ولا تخش من ذي العرش إقلالا، قال: فتبسم النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال: (بِهَذَا أُمِرْتُ)(مسند البزّار).
    والإيثار من أعظم أخلاق الصحابة (رضي الله عنهم)، ضربوا فيه أمثلة منقطعة النظير، فعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال: لما قدم المهاجرون المدينة نزلوا على الأنصار في دروهم فقالوا: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم نزلنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أبذل في كثير منهم لقد أشركونا في المهنإ وكفونا المؤنة وقد خشينا أن يكونوا ذهبوا بالأجر كله فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (كَلا مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ بِهِ عَلَيْهِم)( الضياء في المختارة)، وأخذ عمر بن الخطَّاب (رضي الله عنه) أربعمائة دينار، فجعلها في صرَّة، ثمَّ قال لغلامه: (اذْهَبْ بِهِمْ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، ثُمَّ تَلَّهُ سَاعَةً فِي الْبَيْتِ سَاعَةً حَتَّى تَنْظُرَ مَا يَصْنَعُ). فذهب بها الغلام إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك. فقال: (وَصَلَهُ اللهُ وَرَحِمَهُ). ثمَّ قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السَّبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان. حتى أنفدها، فرجع الغلام إلى عمر، فأخبره فوجده قد أعدَّ مثلها لمعاذ بن جبل (رضي الله عنه). وقال: اذهب بهذا إلى معاذ بن جبل (رضي الله الله عنه)، وتلكَّأ في البيت ساعة حتى تنظر ماذا يصنع. فذهب بها إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك. فقال: (وَصَلَهُ اللهُ وَرَحِمَهُ). وقال: يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا وبيت فلان بكذا. فاطَّلعت امرأة معاذ فقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا. ولم يبق في الخرقة إلَّا ديناران فدحا بهما إليها. فرجع الغلام إلى عمر فأخبره، فسُرَّ بذلك عمر، وقال: (إِنَّهُمْ إِخْوَةٌ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ).(المعجم الكبير)
    ==============
    صور، وأشكال من الإيثار:
    ==============
    أيها الأحبة الكرام إن الإيثار له صور، وأشكال متعددة ومتنوعة بينتها لنا الشريعة الإسلامية:
    فمنها: الإيثار بالطعام والشراب:
    ================
    فعن أبي هريرة (رضي الله عنه)، أن رجلا أتى النبي
    (صلى الله عليه وسلم)، فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا). فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال: (ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ، أَوْ عَجِبَ، مِنْ فَعَالِكُمَا) فَأَنْزَلَ اللَّهُ:{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ}[الحشر:9].(متفق عليه واللفظ للبخاري)
    ومنها: الإيثار بمتقوم غير الطعام والشراب:
    =======================
    فعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال: كان أبو طلحة (رضي الله عنه) أكثر الأنصار بالمدينة مالا، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء (بئر ماء)، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت:{لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] قام أبو طلحة إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال: يا رسول الله، إن الله تعالى يقول في كتابه:{لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران:92] وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها، وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال: (بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَائِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَائِحٌ، قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا، وَأَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ). قال: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. (رواه البخاري)
    ومنها: الإيثار بالمكان:
    ===========
    فعن عمرو بن ميمون الأودي، قال: رأيت عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال: (يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا)، فَقُلْ: يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلاَمَ، ثُمَّ سَلْهَا، أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ). قالت: (كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي فَلَأُوثِرَنَّهُ اليَوْمَ عَلَى نَفْسِي). فلما أقبل، قال له: (مَا لَدَيْكَ؟). قال: (أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ). قال: (مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ المَضْجَعِ...)(رواه البخاري)
    ومنها: الإيثار بالحياة:
    ============
    وهو أعظم، وأعلى، و أفضل أشكال الإيثار، ويدخل فيه الموت في سبيل الله (عزّ وجلّ) وفي يوم اليرموك قال عكرمة ابن أبي جهل (رضي الله عنه): (قَاتَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي مَوَاطِنَ وَأَفِرُّ مِنْكُمُ الْيَوْمَ؟)، ثم نادى: (مَنْ يُبَايِعُ عَلَى الْمَوْتِ؟). فبايعه عمه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا أمام خيمة خالد بن الوليد (رضي الله) حتى أثبتوا جميعا جراحا، وقتل منهم خلق....فلما صرعوا من الجراح استسقوا ماء فجئ إليهم بشربة ماء فلما قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فلما دفعت إليه نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فتدافعوها كلهم من واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعا ولم يشربها أحد منهم، (رضي الله عنهم). (البداية والنهاية بتصرف)
    =============
    مراتب الإيثار، ودرجاته:
    =============
    للإيثار درجات ومراتب بعضها أعلى من بعض، فأولها، وهي أعلاها وأفضلها: إيثار الحق على الخلق، أي: إيثار مرضات الله على مرضات العباد، وإن عظمت فيه المحن، وثقلت فيه المؤن، وضعف عنه البدن، فلا تفعل إلا ما فيه مرضاته، ولو أغضبت الخلق أجمعين، وهذا ما كان عليه الأنبياء، والمرسلون، فقد قاوموا أممهم وأقوامهم ابتغاء مرضات الله، وتجردا وإخلاصا للدعوة في سبيله، واحتملوا عداوة البعيد والقريب في الله تعالى، ولم يأخذهم في الله لومة لائم، بل كان همهم وعزمهم وسعيهم كله مقصورا على إيثار مرضاة الله وتبليغ رسالاته، وإعلاء كلماته، وجهاد أعدائه؛ حتى ظهر دين الله على كل دين وقامت حجته على العالمين وتمت نعمته على المؤمنين، ولا مفر من إيثار مرضاة الله على مرضاة الخلق، لأنه لا صلاح للنفس إلا بإيثار رضا الله، فعن عائشة (رضي الله عنها) وقد كتبت لمعاوية (رضي الله عنه): سلام عليك. أما بعد: فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: (مَنِ التَمَسَ رِضَاءَ اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنِ التَمَسَ رِضَاءَ النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ)(رواه الترمذي)، كما أن رضا الناس غاية لا تدرك، ولقد أحسن من قال:
    فليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب
    وليت الذي بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب
    إذا صح منك الود فالكل هين ... وكل الذي فوق التراب تراب
    المرتبة الثانية من مراتب الإيثار:
    ==================
    أن تؤثر الخلق على نفسك فيما لا ينقص من دينك، ولا يقطع عليك طريقك، ولا يضيع عليك وقتك. بمعنى أن تقدم مصالحهم على نفسك، ومصالحك الشخصية، مثل أن تطعمهم وتجوع، وتكسوهم وتعرى، وتسقيهم وتظمأ، بحيث لا يؤدي ذلك إلى ارتكاب إتلاف لا يجوز في الدين. وكل سبب يعود عليك بصلاح قلبك ووقتك وحالك مع الله فلا تؤثر به أحدا، فكما قال علماء القواعد والأصول: (الإيثار في القرب مكروه)، فإن آثرت به فإنما تؤثر الشيطان على الله وأنت لا تعلم. فعن أبي هريرة (رضي الله عنه)، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ، لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا)(متفق عليه)
    وأعلى من هاتين المرتبتين: أن تنسب إيثارك إلى الله دون نفسك، وأنه هو الذي تفرد بالإيثار لا أنت، فهو المؤثر على الحقيقة، إذ هو المعطي حقيقة.
    عباد الله أقول قولي هذا واستغفر الله العليّ العظيم لي ولكم، فادعوا الله وأنتم موقنون بالإحابة فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
    ===============================
    الخطبة الثانية
    صورة من الإيثار مطلوبة اليوم
    ===============================
    الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين، اللهم صلّ وسلّم عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
    أيها الأحبة الكرام ونحن نتحدث عن خلق الإيثار فينبغي أن نشير إلى صورة سامية من مراتب الإيثار نحن في حاجة إليها اليوم عند كثير من أفراد الشعب، ورجالات الوطن، ألا وهي إيثار مصلحة الوطن على مصالحنا الشخصية، فنعمل لرفعته وتقدمه، فعلينا المحافظة عليه، وعلى منشآته وممتلكاته، وأمواله العامة، كدور العبادة، والمدارس، والمعاهد، والجامعات، والمستشفيات، وجميع المنشأت المدنية والعسكرية، ووسائل النقل والمواصلات، والمزارت، والأشجار، والأنهار، والجبال، والشواطئ، والمحميات الطبيعية، وثرواته الطبيعية، وإن كان في ذلك مشقة علينا وعلينا الإلتزام بأنظمته، وقوانينه، التي سكت عنها الشرع، ولا مخالفة فيها له، حتى وإن سنحت الفرصة للإفلات منها، والتحايل عليها، وعلينا درء ومحاربة الفتن، التي تهدد أمنه وسلامته خارجيا وداخليا، فمفهوم الإيثار لا يقتصر على المؤاثرة في الأشياء المادية وحسب، بل يدخل أيضا في الأمور المعنوية والأدبية، وإيثار مصلحة الوطن على المصلحة الشخصية، يدخل في مرتبة إيثار الحق على الخلق، لأنه دليل على حب هذا الوطن الذي هو من كمال الإيمان، كما علمنا النبي (صلى الله عليه وسلم)، فعن عائشة (رضي الله عنها) قالت: قال النبي (صلى الله عليه وسلم): (اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ إِلَيْنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الجُحْفَةِ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا وَصَاعِنَا)(متفق عليه)، فدعاء النبي (صلى الله عليه وسلم) لنفسه ولأصحابه بحب المدينة، والدعاء بإصلاح هوائها، والمباركة في مدها وصاعها، مما يعلمنا حبَّ الوطن والانتماء له، وخصوصا أن المدينة قبل الهجرة إليها لم يعرف لها فضل، وكانت تسمى يثرب.
    فَاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ، وكُونُوا مِمَّنْ {يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
    فاللهمّ أرنا الحق حقا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، اللهمّ علمنا من لدنك علما نصير به كاملين، وشفّع فينا سيّد الأنبياء والمرسلين، واكتبنا من الذاكرين، ولا تجعلنا من الغافلين ولا من المحرومين، ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم في جنات النّعيم اللهمّ آمين، اللهمّ آمين.

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين أكتوبر 15, 2018 7:11 pm