الكتاب والسنة

كل شيء يكون وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم


    تعليقات وتوضيحات على انتقادات قناة فضائيّة مسيحيّة على سورة الإخلاص في القرآن الكريم ا

    t1966a
    t1966a
    Admin

    المساهمات : 1126
    تاريخ التسجيل : 01/12/2012
    العمر : 53
    الموقع : https://www.facebook.com/groups/183512361669940/

    تعليقات وتوضيحات على انتقادات قناة فضائيّة مسيحيّة على سورة الإخلاص في القرآن الكريم ا Empty تعليقات وتوضيحات على انتقادات قناة فضائيّة مسيحيّة على سورة الإخلاص في القرآن الكريم ا

    مُساهمة  t1966a في الجمعة يناير 24, 2020 10:19 pm


    تعليقات وتوضيحات على انتقادات قناة فضائيّة مسيحيّة على سورة الإخلاص في القرآن الكريم
    ا
    السؤال: في قناة الحياة المسيحيّة، يظهر شخصٌ يقدّم عدّة حلقات، يحاول فيها التشكيك في أساسيّات الدين الإسلامي، واسم برنامجه (سؤال جريء)، ويسمّونه بالأخ رشيد، ومن ضمن تشكيكاته في القرآن، هو حول سورة الإخلاص واليكم ما أورده:

    1 ـ إنّ سورة الإخلاص لم تأتِ بجديد، بل هي فقط ترديدٌ للآيات السابقة.

    2 ـ كلمة (أحد) الموجودة في السورة ليست من إبداعات الدين الإسلامي والقرآن، بل هي موجودة في الكتاب المقدّس وكلّ المسيحيين يردّدونها.

    3 ـ ليس هناك معنى ثابت لمفردة (الصمد) في سورة التوحيد، فكلّ المفسّرين يعطون لها أكثر من معنى.. إذاً المسلمون لا يعرفون معنى الصمد، ويردّدون هذه المفردة في صلواتهم بدون معرفة وعلم؟

    4 ـ إذا كان معنى الواحد كما تقولون ليس بالوحدة العدديّة، بل وحدة حقيقيّة، فما الداعي لذكر كلمة (أحد) التي تحمل نفس المعنى، مع العلم أنّه توجد روايات في الدين الإسلامي تقول: إنّ المفردتين (أي الواحد والأحد) هما بنفس المعنى، فما الداعي لإضافة كلمة جديدة تختلف رسماً عمّا سبقتها، لكنّها مشابهة لها بالمعنى؟

    5 ـ الأحرى وحسب والسبق الزمني أن تقول الآية: (لم يولد)، ثم بعد ذلك لابد أن تقول: (لم يلد)؛ لأنّها الآن (لم يلد) كيف تتمّ أن يلد شيء من شيء دون وجوده، فلابد أولاً من وجود الشيء، وهذه تتفق مع لم يولد، ثم بعد ذلك لابد لهذا الشيء أن يلد أو لا وهذه تتفق مع لم يلد.. إذاً ترتيب الآية لابد أن يكون لم يولد؛ لأنّها دلالة على وجود ذلك الشيء وبعدها لابد من القول لم يلد، أي أنّه لا يُنتج أولاداً أو أشياء.

    6 ـ لو كان تفسير الأحد أو الصمد موجوداً في نفس السورة، وهو: لم يلد ولم يولد، فما الداعي لتكرار ذكر كلمتين ثم تفسيرهما؟! فما الجديد في ذلك؟

    7 ـ أكثر هذه الكلمات موجود في الكتب السماوية الجديدة، فالقرآن الكريم اقتباسٌ من الكتب السابقة كالإنجيل والتوراة.. كذلك إنّ أغلب كلمات القرآن هي مقتبسة من اللغات المسيحية واليهوديّة.. فما الجديد الذي جاء به القرآن؟ وإذا كان القرآن يقتبس من باقي الكتب، فلماذا يتّهمها بالتحريف مع العلم بأنّ أغلب ما هو موجود في القرآن هو مقتبسٌ من الكتب الأخرى؟



    الجواب: للإجابة عن هذه التساؤلات يمكن التعليق بمجموعة نقاط:

    1 ـ لنفرض أنّ سورة الإخلاص ليس فيها شيء جديد غير ما جاء في سائر الآيات القرآنية الأخرى، ما المشكلة؟ وهل كلّ كلمة أو حرف في التوراة أو الإنجيل أو كتب البوذية والصابئة أو كلّ كتب البشر فيه جديد مختلف؟ إنّ القول بأنّ القرآن لابدّ أن تختلف كلّ كلماته عن بعضها في المعنى ويكون تحت كلّ حرف معنى مختلف عن كلّ ما جاء في الكتاب العزيز، هو قولٌ لبعض المسلمين، ولنفرض أنّه خطأ، ما الذي ضرّ القرآنَ الكريم لو افترضنا أنّه بتكراره بعض المفاهيم في قوالب لفظية مختلفة يريد تكريس فكرة معيّنة ويعطيها الأولويّة؟ فهل هذا نقص في الكتاب العزيز بحيث نعتبره كتاباً غير سماوي كما يلوح من طبيعة النقد أعلاه؟ لو كرّر القرآن المفاهيم بقوالب لفظية مختلفة قالوا إنّ هذه الجملة أو تلك ليس فيها جديد، ولو لم يكرّر أيّ فكرة في أكثر من قالب لفظي بما في ذلك فكرة التوحيد التي هي عمود الإسلام لقالوا إنّه لا يعطي الأفكار حقّها بحيث تظهر أهميّة هذه على هذه، هذا مسلسل نقدي طويل يقابله مسلسل تبريري طويل مثله عند بعض المسلمين أنفسهم.

    2 ـ هناك فكرة ينطلق منها بعض الناقدين للقرآن الكريم، وهي في الحقيقة نقد للمفسّرين وليست نقداً للقرآن نفسه، وهذه من الأخطاء، فبعض الناس يتصوّر أنّه ينتقد قضيّةً معينة لكنّه في واقع الأمر ينتقد فهم زيد أو عمرو لهذه القضيّة، وأنا أقتبس هذه الفكرة ممّا كتبه الباحث عالم سبيط النيلي رحمه الله في ردّه على الأستاذ أحمد الكاتب في قضيّة المهدويّة، لقد قال النيلي هناك ما مضمونه: «إنّ الكاتب ردّ على فهوم العلماء لقضيّة المهدويّة أو الإمامة، ولم يرد على فكرة المهدويّة». ومعنى هذا الكلام من النيلي أنّه قبل أن نفترض أنّنا نردّ على القضيّة نفسها يجب أن لا نقصر نظرنا على تفسيرات العلماء لها، بل علينا أن نبحث بأنفسنا عن تفاسير جديدة محتملة لهذه القضيّة ونحصر كلّ التفاسير الممكنة، ثم نردّ عليها جميعاً، فنكون بذلك قد رددنا على القضيّة بكلّ تفاسيرها ومعانيها المحتملة. أمّا لو كانت القضية لها ثلاثة تفسيرات، وأنا أقوم بالردّ على أحد هذه التفاسير الثلاثة، ثم لا أكمل الردّ على الاثنين المتبقّيين، فإنّ هذا لا يسمّى ردّاً على القضيّة، بل هو ردٌّ على أحد أشكال فهمها وتفسيرها.

    هذا بالضبط ما نواجهه هنا، فبعض علماء المسلمين قد يطرح مسألة أنّ هذه الكلمة أو تلك من إبداع النصّ القرآني، مثل كلمة (أحد)، ثم يأتي شخص آخر، فينتقد هذه الفكرة، لكنّه يضع انتقاده في سياق نقد القرآن، في حين يجب عليه أن يضع انتقاده في سياق نقد هذه الفكرة عن القرآن، والتفتيش هل توجد فرضيّة أخرى أم لا؟ ما أريد قوله هنا هو أنّه لنفترض أنّ كلمة (أحد) جاءت في الكتب السابقة، ما المشكلة بالنسبة للقرآن نفسه؟ أين ادّعى القرآن أنّ مصطلحاته كلّها ابتكاريّة لا سابق لها؟ ومتى قال بأنّ فكرة الأحديّة لم تأتِ في أيّ نصّ ديني سابق؟ لو قال القرآن ذلك لصحّ الإشكال عليه مباشرةً، أمّا حيث لا وجود لهذا الادّعاء في القرآن الكريم بل هو موجود في فهوم العلماء المسلمين وتفاسيرهم مثلاً، فإنّ اكتشاف وجود كلمة (أحد) في النصوص الدينية السابقة سيكون نقداً على تلك الفهوم لا على القرآن، وهذه من الأخطاء الشائعة في نقد النصّ القرآني، وسببها عدم التمييز بين واقع ما جاء في النصّ وبين فهوم العلماء وتفاسيرهم وإضافاتهم الفكريّة.

    3 ـ حول كلمة (الصمد)، يبدو لي أنّ الناقد يحاول أن يستفيد من أيّ ثغرة أو إشكاليّة لكي يحمّلها للنص القرآني، فإنّ الاختلاف في التفسير لا يقف عند حدود كلمة (صمد)، بل هو موجود في سائر الآيات الكريمة أيضاً وهذا من بديهيات علم التفسير. واختلاف المسلمين في تفسير هذه الكلمة ـ لو سلّمناه ـ ليس معناه ضعف النصّ القرآني بالضرورة، فإنّ كافّة الكتب السماويّة وقع اختلاف هائل في تفسيرها، بل ظهرت مدارس في أشكال فهمها، بل حتى الكتب الفلسفيّة والتاريخية والعلمية القديمة وقعت اختلافات في تفسيرها، ولا نقول بأنّ هذا طعنٌ فيها بالضرورة، بل قد يكون قصوراً أو تقصيراً من المفسّرين لها، والسبب هنا هو غياب اللغة العربيّة وأزمة تفسيرها عند المسلمين، فلو أثبت لنا الناقد أنّ كلمة (الصمد) اختلف العرب المعاصرون للنبي في تفسيرها، لقلنا بأنّ هذا الكتاب الكريم يُلقي كلماته بطريقة ملتبسة لا يفهمها حتى العربي المعاصر لنزول الآيات والفاهم للغة ولملابسات تاريخ النزول، أمّا واللغة نأخذها اليوم من الكتب في أكثر الأحيان، لاسيما الكلمات المهجورة في استعمالاتها في العصور المتأخّرة، فمن الطبيعي أن نختلف في المعنى تبعاً لابتعادنا عن عصر اللغة، وعليه فيبدو أنّ الناقد هنا يريد أن يناقش المسلمين في أنّهم يردّدون هذه السورة كلّ يوم ولا يفهمون معنى الصمد، فإنّه لو فرضنا ذلك صحيحاً أيّ ضير في ذلك بالنسبة للقرآن؟ إنّ هذا يقوله علماء المسلمين أنفسهم في أنّ المسلمين كثيراً ما يقرؤون القرآن ولا يفهمونه؛ لأنّهم لم يدرجوه في ثقافتهم التعليمية، بل ظلّ مادّةً هامشية في حياتهم على المستوى التفسيري بسبب أزمتي اللغة والتاريخ وفقدان البرامج الجادّة لإدخاله في سياق التعليم، لا الحفظ أو القراءة فحسب. علماً أنّه لو قصد هنا المفسّرون أنفسهم فإنّ اختلافهم فيما بينهم لا يعني أنّ كلّ واحد منهم ليس لديه قناعة بمعنى محدّد للكلمة، فلا يصحّ أن نقول في حقّه بأنّه يردّد هذه الكلمة ولا يعرف معناها، والسبب هو وجود اختلاف، فإنّ الذي يتوه في الاختلاف هو الذي ليست لديه وجهة نظر في هذا الاختلاف، أمّا الذي لديه وجهة نظر فهو يفترض بأنّ المعنى واضح بالنسبة إليه، ففي السياسة اليوم يختلفون أشدّ الاختلاف لكنّ هذا لا يعني أنّ جميع الأطراف لا يعرفون وأنّ الموقف غامض بالنسبة إليهم، بل كلّ واحد يدّعي أنّه يعرف ويعمل على فهمه ووضوح المسألة لديه، نعم الآتي من بعيد ولم يحسم خياراته السياسية يمكن أن يكون في حالة غموض وعدم وضوح، فإذا قُصد أنّ كلمة (صمد) لا يفهم معناها عامّة الناس فهذا صحيح وقد بيّنّا ذلك، وامّا إذا قصد بأنّ المفسّرين لا يفهمون معناها، والسبب هو أنّهم مختلفون، فإنّ الاختلاف في قضية لا يعني أنّ القضية غير مفهومة عند كلّ طرف من أطراف الاختلاف من وجهة نظره، فليلاحظ جيّداً.

    4 ـ إذا عرّجنا على اختلاف المسلمين في تفسير الصمد، فيهمّني أن أشير إلى مسألة بالغة الأهمّية، وهي تشكّل أحد أهم اسباب اختلاف علماء التفسير، وفي الوقت عينه تريحنا من هموم تفسيريّة كثيرة، وهي ذات جانبين:

    الجانب الأوّل: المصداق، فقد أقحم المفسّرون أنفسهم في الإجابة عن تساؤلات افترضوا أنّ الإجابة عنها لها علاقة بتفسير الآيات وفهم رسائلها، فمثلاً إذا جاءت آيات حادثة أصحاب السبت أخذوا يبحثون مثلاً في: أيّ قريةٍ هي؟ وأين كانت؟ وهل هي قبل موسى أم بعده؟ وكم عدد الفرقة الواعظة و.. مما لا حاجة لمعرفته. وهكذا عندما يأتون للحديث عن قصص الأنبياء ينشغلون أيّما انشغال بتفاصيل تتعلّق بالحدث التاريخي، إلى حدّ أنّه أحياناً تغيب الرسالة القرآنية في خضمّ الحديث عن الواقعة التاريخية التي عالجها القرآن، ويمكن أن تراجعوا كتب التفاسير في القرون الستة الهجرية الأولى لتتأكّدوا من هذا، في حين يفترض حذف كلّ هذه الأسئلة الغريبة عن النص، والتي جاءت من تفاسير التابعين، وكذلك من كثير من الإسرائيليات، فبدل الانشغال بالرسالة القرآنية من وراء النصّ صار الحديث متمركزاً حول تفاصيل أشياء تعمّد القرآن عدم الاهتمام بها؛ لأنّها لا تعنيه، فوقعت هنا واحدة من أكثر الخلافات ضراوة بين قدماء المفسّرين. وكثيراً ما وجدنا أيضاً أنّ الخطأ والاختلاف يرجعان إلى تحديد المفهوم القرآني وحصره بقوم أو جماعة، وهذا ما التفت إليه بعض المفسّرين منهم العلامة الطباطبائي، فإذا جاءت آية تتحدّث عن المؤمنين انكبّ الكثير من المفسّرين ـ بتأثيرات التاريخ والنصوص المذهبية تارةً وغيرها أخرى ـ على تحليل من هم هؤلاء المؤمنين، وأدرج هذا الأمر في التفسير، مع أنّه ليس بحثاً تفسيرياً، لأنّ النصّ عام غالباً، بل قد يكون تاريخياً، وهكذا تحديد أسماء الأشخاص الذين نزل فيهم الحدث، ففي بعض الأحيان يكون ذلك ضروريّاً لكن في بعض الأحيان تختلف الرواية ولا يكون لاختلافها أيّ أثر في فهم النصّ القرآني. إنّ الكثير من هذه الأمور التي انشغل بها المفسّرون على هامش نشاطهم التفسيري أدرجت تدريجيّاً في تفسير القرآن مع أنّ بعضها تاريخيّ وبعضها كلامي، وبعضها لا فائدة منه أساساً، بل هو تضييع للوقت، ولو خلّصنا كتب التفسير من مثل هذه الانشغالات لتركّز العمل على فهم المراد القرآني والرسالة القرآنيّة والنصّ نفسه بشكل أكبر. هذا ولقضية الانشغالات بالمصاديق نماذج أخرى لا مجال للإطالة فيها الآن.

    الجانب الثاني: اختلاف الاستعمالات التي تكون لمعنى واحد، بمعنى أنّ الكلمة الواحدة تستعمل في لغة العرب بمعانٍ، وكتب المعاجم تقوم على بيان استعمالات الكلمة الواحدة، وفي هذه الحال عندما يأتي المفسّر ليفسّر الكلمة بمعنى من المعاني التي يسبق إليها الفهم العربي، نجد مفسّراً آخر يميل لتفسير الآية بمعنى آخر من معاني الكلمة يغلب عليه طابع قلّة الاستعمال، مثلاً كلمة الثياب تستعمل قليلاً جدّاً في لغة العرب بمعنى القلب، ومن هنا قال بعض الميّالين للتفسيرات الصوفية بأنّ قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهّر﴾ يقصد منه تطهير القلب، والمشكلة التي تحصل أنّ المفسّر يقف عند حدود استعمالات الكلمة بوصفها مفردة، فيحاول استغلال معنى تكون مستعملةً فيه، لكي يقحمه في تفسير الآية، وفي بعض الأحيان يكون ذلك على حساب السياق، فتنشأ المعارك التفسيرية في هذا الإطار.

    وعليه، فكثير من الاختلافات لا ترجع إلى النصّ القرآني نفسه، بل إمّا ترجع إلى بعض الانشغالات التفسيرية التي يفترض حذفها والتي سبّبت جدالات كثيرة، أو إلى طبيعة الاستعمالات العربيّة للكلمة، بناءً على مثل فكرة الترادف والاشتراك وغير ذلك. ولست أريد بهذا نفي وجود شيء طبيعي يستدعي الاختلاف في تفسير النصّ، بقدر ما أريد التنبيه على أنّه ليس كلّ اختلاف تفسيري يبرّر القول بغموض أو عجز النصّ القرآني، بل بعض الخلافات ترجع لجوانب خارجيّة، وهذا أمر لا يختصّ بالقرآن فقط بل يجري في غيره من الكتب التي تركّزت الأنظار التفسيريّة عليها.

    5 ـ إنّه حتى لو فرضنا أنّ (أحد، وواحد) بمعنى واحد، سواء هو الوحدة العددية أم الوحدة الصرفة، فلا يعني ذلك أنّ تعدّد الكلمات في الإفادة لمعنى واحد نقصٌ، لقد تصوّر أمثال الأستاذ سبيط النيلي أنّ القرآن لو استخدم كلمتين في معنى واحد، فكأنّ ذلك من الإسراف في القول ومن العبث في البيان، ولست أرى في ذلك أيّ عبث، بل هو من غنى التفنّن اللفظي والبياني والإيصالي للفكرة، وأيّ عيب في ذلك، حتى لو كان كتاباً سماويّاً، وما الدليل على استحالته أساساً سوى افتراضاتنا الأيديولوجيّة المسبقة بأنّ النص القرآني يجب أن يكون استثنائيّاً من جميع الجهات وبكلّ الطرق. إنّ قيمة الشعر والأدب والنثر وغير ذلك تكمن في هذه الجودة التفنّنيّة في استخدام عدّة تعابير في معنى واحد، ففي علم العروض لا ينصحون بتكرار كلمة بعينها في بيتين قريبين من الشعر، فإنّ هذا سيءٌ حتى من الناحية الموسيقيّة للكلام، ومن هنا ينصحون بالإتيان بكلمة أخرى تعطي نفس المعنى ولكنّها تختلف في إيقاعها الموسيقي وفي صوتها، بحيث يضفي ذلك جمالاً على النصّ وروعة، وهذا جزء من بنية البلاغة والفصاحة والشعر والنثر ليس في العربية فقط، بل في لغات أخرى أيضاً، ما لم تكن حالةً خاصّة كبعض الأشعار الشعبيّة الرائجة في الثقافة العراقيّة والتي تحاول تكرار إيقاع موسيقي واحد آخرَ كلّ شطر من البيت، بمعنى مختلف مع تشابه الصوت. وعليه فلو فرضنا جدلاً أنّ (أحد، وواحد) بمعنى واحد، فلماذا أفترض أنّ هذا نقصاً، إنّني بالعكس أراه كمالاً وجودةً لو سلّمناه جدلاً.

    6 ـ إنّ حديثكم عن تقديم (لم يولد) على (لم يلد) صحيح في نفسه، لكنّكم لم تأخذوا بعين الاعتبار عنصرين أساسيّين:

    العنصر الأوّل: وهو العنصر التاريخي، ويشكّل فرضيّة تاريخية معقولة، وهي أنّ القرآن الكريم لم يواجه تيارات فكريّة أو دينية تتحدّث عن كون الله ولد من أب فوقه، بينما نجد القرآن يحدّثنا عن مذاهب دينية معاصرة له وسابقة عليه آمنت بأنّ الله له ولد، فيمكن مع ذلك افتراض أنّه راعى الحاجة التاريخيّة والواقعيّة بالابتداء بما له رواجٌ أكثر، فأراد كسر فكرة أنّ لله ولداً، والتي هي فكرة موجودة، ثم أردفها بأنّ الله لم يولد، والتي هي فكرةٌ يقلّ أنصارها نسبيّاً، فالعنصر التاريخي يمكن أن يساعد على فرضيّة من هذا النوع. وليس ترتيب الكلمات في لغة العرب قائماً بالضرورة عند استخدام حرف العطف (واو) على التراتبيّة، بل يدلّ على الاجتماع والاشتراك، ومن ثم يمكنك بالواو عطف المتقدّم على المتأخّر. نعم لو كان العطف بالفاء لربما صحّ إشكالكم، إذ قد لا يكون هناك معنى لأن يقول: لم يلد فلم يولد، أو لم يلد ثم لم يولد.

    العنصر الثاني: وهو العنصر التناسقي اللغوي، فإنّ العناصر التي يأخذها المتكلّم البليغ ليست هي التنظيم الواقعي للأشياء والموضوعات التي يتحدّث عنها فقط، بل هو يأخذ أيضاً عنصر جمالية النصّ، فالجمال في التركيب والتناسق في الإيقاع الموسيقي أمران بالغا الأهميّة في البلاغة والنثر والشعر وغير ذلك، ولهذا أجاز العرب في الشعر كسر الكثير من قواعد اللغة نفسها لصالح قواعد الشعر؛ لأنّ العنصر التناسقي الجمالي والموسيقي لهما أولويّة كبيرة في العنصر البلاغي نفسه، ومن هنا فإنّه لو قالت الآية (لم يولد ولم يلد) لكان الحرفان الآخران في الآية هما الكسرة والضمّة، أو الكسرة والسكون على تقدير الوقف، وهذا لا يتناسب مع خواتيم الآيات الأخرى (أحَد، صمَد، أحَد) والتي هي مفتوحة الحرف ما قبل الأخير مع ضمّ الحرف الأخير، ولهذا ناسب جماليّاً وموسيقيّاً وضع (يولَد)؛ لأنّها مفتوحة مع ضمّ أيضاً، فلماذا لا يكون هذا الافتراض منطقياً؟ وبالتالي مع أخذ الخصوصيّة التاريخية التي تعبّر عن حاجة للمواجهة في قضيّة كونه والداً، مع الخصوصيّة الجمالية والتناسقية يمكن تبرير تقديم (يلد) على (يولد)، ومن ثمّ، لا يكون كلامكم برهاناً على وجود ارتباك في الآية الكريمة.

    7 ـ إنّ إشكالكم ما قبل الأخير غاية ما يفيد ضرورة افتراض أنّ الصمد لا علاقة لها بالولادة أو المولوديّة، وأصل الصمد في لغة العرب من المقصوديّة، وهو السيّد الذي يُقصد ويُرجع إليه ولا يرجع إلى أحد، ولهذا عبّر بعضهم بالغنيّ غير المحتاج، وبهذا المعنى لا يكون الصمد مطابقاً في المعنى تماماً لقضيّة الولادة، بل متداخل معها. على أنّه لنفرض وجود نوع من التكرار، فما المشكلة؟ ألم يفتخر العرب بالتكرار الذي يكون لغاية التوكيد؟ والموضوع هنا ـ كما قلنا ـ موضوعٌ أساسيّ، وهو قضية التوحيد، فأراد النصّ القرآني الإتيان بسورة مختصرة قابلة للرواج، مثل سورة الإخلاص، ويكون لها قدرة توكيد مفهوم التوحيد، لهذا كرّرته من زوايا متعددّة: الأحديّة، الغنى والصمديّة، نفي الولادة والمولوديّة، نفي المثليّة، وهي مفاهيم أربعة تصبّ من زوايا أربعة في توكيد المبدأ التوحيديّ العام في الإسلام، ولست أدري ما العيب في كلّ هذا؟! فإنّ التوكيد اللفظي والمعنوي معاً من محاسن البلاغة في اللغة العربية عند الحاجة، وهذه منها.

    8 ـ إنّ إشكالكم الأخير يحتاج لكلام طويل، لكنّني ألمح هنا سريعاً بعدّة إشارات:

    أ ـ إذا كان كتابٌ ما محرّفاً فهذا لا يعني أنّه بأجمعه باطل، بل يمكن أن يكون فيه الحقّ والباطل، تماماً كما نقول اليوم بأنّ السنّة الشريفة محرّفة، فهذا لا يعني أنّه ليس فيها ما هو الحقّ، فلو تطابق بعض ما في القرآن الكريم مع بعض ما هو موجود اليوم في التوراة مثلاً فهذا لا يناقض فكرة تحريف هذه الكتب؛ لأنّ القائل بالتحريف لا يقول بالتحريف التام بحيث لا يوجد حقّ، حتى لا يوجد تشابه.

    ب ـ لم يدّع القرآن الكريم بأنّ كلماته نحتت نحتاً بحيث لا وجود لها قبل ذلك، بل بالعكس فقد نسب بنفسه إلى الأديان التي قبله الكثير من الكلمات والمفاهيم كالصلاة والصوم والزكاة والإيمان والمعاد والنبوّة والجنّة والنار وكذلك جملة من الأحكام الشرعية والمبادئ الأخلاقيّة، فهو يصرّح بوجود هذه في الديانات السابقة، ولم يدّع أنّ كلّ كلماته مبتكرة لا سابق لها، ولا أنّ كلّ مفاهيمه جديدة ولم تكن تسمع بها الإنسانية من قبل، فهذا الكلام من أيديولوجيّات بعض من قد لا يملك اختصاصاً. كلّ ما في الأمر أنّ القرآن يشكّل حلقة في سلسلة كتب سماوية نزلت، وهذه الكتب والأفكار والمقولات صحيحة غير أنّها تعرّضت للتشويه، فجاء القرآن لكي يصحّح القيم والمفاهيم الدينية التي جاء بها كلّ الأنبياء ويرفع التشويه منها، ثم يضيف شيئاً آخر إلى ما جاءت به النبوّات السابقة، هذا هو ما يدّعيه القرآن، وهو واضح من نصوصه، ومن ثم فمن الطبيعي أن نجد تشابهاً بين القرآن وما قبله من كتب، حتى على فرضيّة حقانية القرآن؛ لأنّ المفروض أنّ مصادر الكتب السابقة أصلها يرجع لوحي سماوي وأنّها حرّفت، كما حرّفت عندنا السنّة النبويّة، فلو جاء نبيٌّ اليوم مبعوث من قبل الله لكي يبيّن لنا السنّة الصحيحة، فمن الطبيعي أن يقول بعض ما هو موجود في كتب الحديث اليوم؛ إذ ليست كلّ كتب الحديث كاذبة ولا يطابق أيّ خبر منها أيَّ واقعة في التاريخ أو أيّ كلام قيل من النبي، ومن الطبيعي أنّه سوف يضيف بعض ما غاب، وسيصحّح بعض النصوص المنقولة بطريقة خاطئة كما سيصحّح بعض المفاهيم والفهوم والتفسيرات التي قدّمت للدين وتعاليمه، ومن ثم فالاشتراك بين ما سيأتي به المصحّح وبين ما هو موجود بين أيدينا شأنٌ طبيعي مائة في المائة، فلا داعي للتهويل بهذه القضيّة. نعم إنّما يصح هذا الإشكال عندما نرى أنّ القرآن ليس فيه أيّ اضافة مفهوميّة أو تصحيحيّة أو أي تغيير أو أيّ تعديل على أيّ من المفاهيم والمقولات والهندسيّات النظرية والعمليّة الموجودة في التوراة والإنجيل، هنا يصحّ هذا الإشكال في أنّه لم يأت بأيّ جديد. علماً أنّ وظائف النبوّات ليس فقط مدّنا بمعلومات جديدة، بل تذكيرنا بما في عقولنا وتنبيهنا على ما في وجداننا وفطرتنا كما جاء في الحديث عن الإمام علي عليه السلام، وما يتصوّره بعض المؤمنين من أنّ الكتاب والسنّة قد جاءا بما لا يمكن للإنسان أن يصل إليه غير صحيح، بل بعض ما فيهما يصل إليه الإنسان ويعرفه وقد برهن عليه الفلاسفة والمفكرون بالعقل، غاية الأمر أنّ وظيفة النبيّ والواعظ هو تنبيه النائم وإيقاظه ورفع الغشاوة عن قلبه، وخلق محفزات وجدانية وروحية عميقة فيه للاندفاع نحو الممارسة العملية للإيمان والعمل الصالح، فالنبيّ مصلحٌ ومربٍّ، وليس فقط معلّماً أو باحثاً أو فيلسوفاً أو مدرِّساً.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء فبراير 19, 2020 5:13 am